مزاب بلد كفاح: دراسة تاريخية اجتماعية تلقي أضواء على نشأة هذا البلد وحياة ساكنيه إبراهيم بن محمد طلاي

مزاب بلد كفاح

الجزء ١ · صفحة ٣٧

فيما يدر به هذا الشريط الضيق من الأرض، ـ ولو أن المورد الهام كان منه - فينبغى أن يضاف الى هذا، ما تقوم به المرأة المزابية، من صناعة الصوف، والقيام بمختلف أنواع النسيج، فالمرأة في مزاب كانت درع الرجل فى الاقتصاد، ومغالبة الفقر، لا تعرف مللا أو ميلا الى الراحة والدعة، ولذلك اشتهر مزاب في القطر الجزائرى بكونه سوقا للمنسوجات الصوفية، تستوردها منه القوافل التجارية، وكانت كلها تقوم على أكتاف المرأة المزابية خاصة، فالرجل من العيب عندهم أن يحترف هذه المهنة. وكان المزابيون الى أواخر القرن الماضي، يفرحون بأصدقائهم أولاد نائل، وغيرهم من القبائل الضاربة في النجود، ويكرمون وفادتهم، عند ما تقصد مزاب مرة، أو مرتين في السنة، لبيع ما عندهم من خيرات أغنامهم، عند الآخرين من منسوجات الصوف الفاخرة،

وشراء ما تجمع وغالبا ما يقع ذلك بالمقايضة: أى استبدال سلعة بسلعة. وبهذا النوع من البيع نعلل ما يذكر الشيوخ انه كانت جدا المناوشات التي تقع بين هذه القبائل أحيانا، يغيرون اثرها على أموال بعضهم، عند ذلك يكف غالب المزابيين من شراء ما يأتون به، تحرجا من شراء مال حرام، أخذه غاصب من أهله، لما لمال المسلم من حرمة عند أخيه، وربما تستمر هذه الاغارات

تزعجهم

سنتين أو ثلاث، فيتأذون كثيرا، ويضطرون الى البحث عن سوق

آخر

أوقاف المقابر

ربما يجد القارئ الكريم، في هذا العنوان شيئا من الغرابة، والمراد بهذه الكلمة، ما تركه الموتى من أوقاف، معلقة في أملاكهم، التي كانوا يملكونها، ينفذها من تنتقل اليه تلك الأملاك كل سنة مدى الدهر، حسب رغبة المحبس، ووصيته. ثم ما يتصدق به الناس، ترحما على موتاهم، عند ما يشرع في تنفيذ تلك الأوقاف

الخيرية.

وفيما يلى أقدم لك صورة لهذا العمل الجليل: في أشهر معينة من شتاء كل سنة، يشرع عزابة كل قرية،

من قرى مزاب، ولا سيما القرى العتيقة، «الخمس» في تنفيذ هذه الأوقاف، ففى الصباح الباكر من كل جمعة، ـ وهو يوم تفرغ وراحة، لدى كل المواطنين - يذهب العزابة، ومن يحفظ شيئا من القرآن الكريم، من الطلبة، وحتى تلاميذ المدارس، الذين يحفظون أربعة أحزاب، فما فوق، يخرجون الى مصلى مقبرة معينة، من مقابر البلدة، فيجلسون هناك يرتلون القرآن جماعات، ويدرسونه، وبعد صلاة العصر تتوافد على المصلى بقية المواطنين، من سكان

73

72