الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١١٩هو مما يقبله العقل ويصوب له أم يرى في أوامر اضطرابا؟ (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً). (1) وما أغزر عقل هذا البطل الأزدي ما أدراه بموارد الأمور ومصادرها، قال: ويأمر بصلة الرحم والبر وينهى عن الإثم والعدوان، وعن الزنى وشرب الخمر وعن عبادة الحجر والوثن والصليب، قلت: وهذه الأوامر والنواهي في هذه الكلمات الوجيزة هي عمود الإسلام وجوهره، فإن الأمر بطاعة الله عز وجل والنهي عن معصيته جماع كل خير وصرف كل شر، وكذلك الأمر بالبر فهو الاسم جامع لأنواع الطاعات وقوله: وينهى عن الظلم، وهو اسم لكل شر قليلا كان أو كثيرا، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، وكذلك العدوان، فإن كل ما خرج عن كون طاعة وخيرا فهو عدوان سواء كان قولا أو فعلا أو نحو ذلك، ثم صرح أيضا بالنهي عن الزنى وشرب الخمر وعن عبادة الأحجار والأوثان، أي التماثيل، وكذلك الصلبان، ففي هذه الأوامر جماع روح الإسلام وجوهره، ولا ريب فإن رسول الله صلى الله عليه وسلمأوتي جوامع الكلم واختصر له الكلام اختصارا، فلهذا خرجت أوامره بمثل هذه العبارات فتلقاها أصحابه منه فخرجوا بها إلى سائر الأمم دعاة وهداة مبلغين عنه ومبشرين ومنذرين.
فلما سمع عبد بن الجلندى هذه الأوامر سرته واستحسنها، وبطبيعة الحال إن الحق مقبول وله في القلوب تأثير ولو جاء على لسان كافر، فلذلك قال عبد: ما أحسن هذا الذي يدعو إليه، كما شهد به أيضا هرقل في حديثه مع أبي سفيان. قال عبد: لو كان أخي يطاوعني لركبنا حتى نؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم أي لكان من الواجب أن نفد عليه صلى الله عليه وسلم في مقره
------------------------
(1) من الآية 82 من سورة النساء. ?1? قلت هذا جهل بالتاريخ وتخليط، والأجانب يأخذون الأخبار بغير تحقيق وخصوصا فيمن خالفهم: والحازم من يأخذها تحقيقا، أ. هـ.