الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٥٠عمان من أنكره من أعدائهم فهذه حقائق واضحة في أفق التاريخ وضوح الشمس رابعة النهار، لا ينكرها إلا أعمى عن الحقائق، وأي فضل أعظم ممن أثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الثناء العظيم، ثم أثنى عليهم أبو بكر رضي الله عنه ذلك الثناء الجسيم، ثم عمر بن الخطاب رحمه الله ورضي عنه، وأثنت عليهم الأنصار في ملأ من المهاجرين والأنصار، ولذلك لم يزالوا على الحق رغم الدهر الذي من طبعه التقلب، فأهل عمان أهل خير لم يتزعزعوا عن دينهم منذ أسلموا، ولا نقضوا عهدًا ولا ذمة ولا بدلوا من الأوامر الشرعية شيئًا أبداً، بل هم على الحق ثابتون، وعلى المذهب الصحيح عاضون بالنواجذ تبعًا لوصيته عليه السلام.
قال عمرو بن بحر المعروف بالجاحظ، وهو يرد على من ينكر فضل أهل عمان قال: لربما سمعت من لا علم له يقول: ومن أين لأهل عمان البيان؟ فقال الجاحظ المذكور، وهو يرد على هذا القائل كما قرر عليه: أنه لا علم له، وهل يعدون لبلدة واحدة من الخطباء والبلغاء ما يعدون لأهل، أي لا يوجد لأهل بلد واحد كعمان ما يعدون لأهل عمان، وهذا أكبر شهادة من هذا العالم الوحيد في قومه بعلاميته الشهيرة، ثم أخذ الجاحظ يذكر فضائل أهل عمان فقال: منهم- أي أهل عمان – مصقلة بن الرقية اخطب الناس قائماً وقاعداً ومفرداً ومنافساً ومجيباً ومبتدئاً، أي في كل الأحوال ونحوها أخطب الناس، أي أوسعهم مقالاً، وأسرعهم بياناً، وأقواهم حجة، قال: وابنه من بعده كرب بن مصقلة. قال: ولهما خطبتا العجوز في الجاهلية، والعذراء في الإسلام، أي هاتان الخطبتان شاعتا عند العرب الأولى في الجاهلية، فتناقلتها العرب، والثانية في الإسلام، وقد جمعتا من العلم والأدب ما خضعت له أعناق فطاحل العرب، ولولا أن ذكرهما يطول بنا لجئنا