الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٦الأمم الظافرة والخاسرة، وعرفنا سالف الأمم قبلنا، ورأينا فيها الصالح والطالح، وأدركنا منها المؤمنين ومقاصد المتقين، وبغي المضلين وفساد المصلحين، وأفعال المتقين، ومن اجتهد وجاهد في الله لإرغام الكافرين، ومن جد لإرشاد الأمم إلى سبل الخير من المخلصين، فكان لهم في عالم الحياة الذكر الحسن والفضل المبين، وأخبرنا عمن نام على فراشه راضيًا بمعاشه، ومن عمل فرض عليه، ومتى كلف وافتراض، وعلى من أوجب فقام، ومن صد فربص، مراغمًا لمن قام بواجبه ونهض، وعلمنا الأئمة وما مشوا به ومن قام معهم فأقامهم ومن قام عليهم فكان ضدهم، ومن دعا إلى الحق فاضطهد وشنق، ومن تجرد لله ناصرا لدينه، ومن دعا لإحياء الشريعة بواضح الحق وصحيح براهينه. ولا يخفى ما في ذلك من حكمة، ولا يجهل ما يثمره التاريخ للعقول القوية من نشاط، وما تتحرك به القلوب الضعيفة من اغتباط، وما يستحق به الثناء على الفعل الجميل، وما يلزم به الذنب والتقبيح لأهل التعطيل.
فالتاريخ داعية الأمم الآتية لسلوك طريق الأجيال الماضية، فهو المعبر عما سلف من عز وشرف لأهل الوفاء، والمخبر عمن خلا من أهل الجفاء، فيختار المخلص من مسالك أولئك المنهج الصحيح، ويصطحب إلى قصده بذلك كل عمل مليح، ويتبع في سيره كل أمر صحيح، فالتاريخ على الإجمال جمال الرجال الكُمل، وكمال الأبطال في كل الملل، والحاث على الأعمال الفاضلة لكل شريف ذي نبل، وهو الترجمان المعبر عن سالف الدول، طالما حدث التاريخ عن الأئمة الصالحين، وبين من أعمال الحق في العالمين، وكم أنبأ عن أعمال الجورة المتغطرسين، ليتجنب أفعالهم كل كريم مصلح في الدين.
وهل نعلم نحن لولا التاريخ ما فعل أئمتنا الأولون، وما عمله أهل الحق من العلماء الأكرمين، وهم مجتهدون، وما مشى عليه