الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٨بعدنا. وهذا أصل من أصول التاريخ، وإذا أطلق العلماء التاريخ فالمراد به أخبار الأمم الماضية، وسيرهم وحوادثهم على العموم.
ولا شك أن لكل أمة تاريخها خاصًا بحوادثها في حلها وترحالها وأخباركل جيل على حدة، وحوادث الملوك وقتال أعاديهم وما أحدثوا من خطط، ووضعوا من قوانين، وأبانوا من أسرار فلهذا أن مادة تاريخ الأمم على اختلاف أحوالها، وما بنت وهدمت وما أبدت وما أعادت، وما طوت من أعمال، وما نشرت من خصال، فالتاريخ له تعلق بكل شيء، فتعلقه باللغة من حيث حدثت، وعلى يد من حدثت، ومن أول من لغابها، وفي أي عهد نشأت وله تعلق بآدابها وأسبابها، وبالأحكام الشرعية. على من أول ما أنزلت، وما أول حكم وقع، ومن هو أول حاكم، وأي أول دولة قامت في هذا الكون، ومن أول من قام بها وما صفة قيامها، وماذا صنعت، وعلى أي حال انقرضت. وما هي الأسباب التي قضت عليها، ومن قام بالعلوم الطبية، ومن برع فيها، ومن اخترع الكيماويات إلى ما وصلت إليه الآن، ومن أول من اخترع السلاح، وعمل به في الكفاح حتى تطور إلى ما يعلم ما عليه الآن.
ولولا التاريخ من أين لنا أن نعلم الناسخ والمنسوخ من أحكام الله عزوجل، وهو قسم عظيم في الأحكام والحجة في معرفته التاريخ الصحح، ولو قيل أن التاريخ يشتمل على نصف العلم لكان غير بعيد، لأن عليه تترتب أمور كالعدد والنفقات ومواقيت الحج وتعين أوقات الزكاة، وعدد المطلقات في أشياء يطول ذكرها. ولا ريب فإن مدار أمور الدنيا عليه- ولولا التاريخ من لنا أن ندرى إجماع المسلمين فيما أجمعوا فيه حلاً وحرمة، وهو من قواطع الأدلة في الإسلام، ومن أمهات القواعد في الأحكام، كما يشهد له الكتاب العزيز والسنة النبوية.