الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٢ولغتهم». أي أن علم التاريخ له تعلق بهذه الأحوال كلها. وإذا اعتبرت هذه الجملة رأيت لها عمومًا وشمولاً، لأحوال الدنيا والآخرة، فإن النظر في المعايش والسياسات مما يتعلق بأحوال الدنيا، وما يتعلق بالعقائد ولآداب واللغة، يتناول أمور الدين التي هي النجاة في الآخرة أو الهلاك فيها والعياذ بالله.
وللتاريخ من هذه الوجهات مقام عال في نظر الفكر العربي، وهل التاريخ من خصايص أمة أو أمم أو هو لمطلق الأمم، وهو الواضح كما بينه في لقطة العجلان، فكل أمة عاشت أو تعيش في جيل من الأجيال لا بد لها من حوادث بحسب طبيعة حالها، وما تدعو إليه آمالها، وبذلك يكون تاريخها مشتملاً على قضاياها. ولأجل ذلك ترى الأمم أن التاريخ عنوان أمته، ودليل على خيرها وشرها، إذ يعرب عن نواياها ويبرهن على مالها من صمود وهبوط في أدوار حياتها، ومن حق التاريخ الصادق الصحيح أن يكون مع الأمة كما هي، حافظا لها الحقائق، وجامعًا لها الدقائق، واضعًا كل شيء في محله الذي يجب أن يوضع له.
وللإفرنج مزيد اعتناء بالتاريخ لأنه داعية الأمة أو البيئة، أو القطر، وبه تعرف الأمم طيلة الدهر، فإنه أعظم باعث للخلف، للسير على نهج السلف، وأكبر دليل على حقيقة العناصر العالية والسافلة، وأصدق قيل على الشرف التأصيل في المم الفاضلة، ولا تتركه أمة في حال رقيها لما له من مقام عند السادة الأعلام، والقادة الكرام على الدوام، ألا تسمع صاحب معالم الجزيرة يقول في صدر كتابه: «حرام على الأمم أن تفرغ من إشباع تاريخها القيم والحديث دراسة وتحليلاً، ونحن لا نزالا نتشاغل بالتافه من الأمور، لنعيش في جهل بماضينا وحاضرنا، ومن ثم في غفلة عما ينبغي أن نرسم من خطط المستقبل على ضوء هداية التاريخ، ولست أدري متى ينتبه حملة الأقلام منا وولاة