الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٣الأمور فينا إلى واجب كهذا، أعتقد أنه من العوامل الأساسية للنهضة التي نرجوها».
فانظر في كلام هذا البطل الحر، وهكذا رجال العمل، وأنا أعتقد أن ذكرى التاريخ من أعظم العوامل الفعالة في الإنسانية، فلذلك يحتفل الإفرنج بذكرى عظمائهم، وأحاديث كبرائهم طيلة أزمانهم ذلك لما للتاريخ من نفوذ روحي فعال، ولأجل ذلك لا تظهر الإفرنج تواريخ الأمم التي تسيطر عليها أو تريد السيطرة عليها، ولذلك لما أراد الإمام السالمي رحمه الله إعادة الإمامة فقام أولاً بنشر تاريخ الأمة العمانية فبرز في عالم القضاء، ودرسه للطلبة وشاع رجال الأمة، وعرفوا أفعال أسلافهم وأعمال آبائهم ومقاصد أبطالهم، فهبوا متشوقين لها، وكذلك طبع دواوين الشعر الحماسي الداعي إلى نبذ الخمول واعتناق النشاط، فكان ذلك أعظم فاعل في النهوض بالأمة حتى اهتزت من أعاليها وأدانيها، وديوان الإمام الحضرمي كان أكبر مؤثر على قلوب الأمة، فلقحت أفكارها وتلظى شرارها، فتحركت حركة شهدها التاريخ وضج العالم العربي العُماني حتى رفع عقيرته في القبائل العُمانية. وأقام الإمامة على صرحها الكريم، حتى أجلسها على عرشها الذي فقدته أعوامًا. وكل ذلك بفضل دراسة أنباء سالف الآباء، وبما عرف من أفعال الأجداد الماضيين، ولا يزال التاريخ هكذا طيلة الأدهر، فإن الأمم تتحرك طبعًا إلى اقتفاء أفعال السلف من ملوك وأئمة ومصلحين، كما أشار إلى ذلك هرقل بقوله لأبي سفيان إذ يسأله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل في أجداده من ملك؟» فقال له أبو سفيان: لا. فقال هرقل: فقلت لو كان في آبائه من ملك لقلت رجل يطالب بملك آبائه، أي فأشك في نبوته والمعنى من كان آباؤه ملوكًا فهو يحلم بملكهم ويروم أن يكون ملكًا مثلهم، هذا فإذا درس تاريخ آبائه لابد وأن يتحرك بذلك رغم العراقيل.
وسبق لنا في بعض المقالات فيه قولنا: «التاريخ مدرسة الحوادث