عُمَان عبر التاريخ سالم بن حمود بن شامس السيابي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٤

الكونية، ولسان معبر عن ما تمشي عليه المواشي الإنسانية، ودعاية عامة إلى الأعمال العالية، ونعى شاهر للأفعال السالفة، يجد الناظر فيه الأعمال الحرة الفاضلة، كما يجد ضدها من المقاصد السالفة، ويقتبس منه العاقل فوائد قد لا يجدها في غيره، ويتسلح منه الكامل سلاح السياسة السامية» أهـ. وهي كلمات حقها أن تكتب بماء الذهب على جبهة الدهر لتخلد طيلة الأيام عنوانًا لسر التاريخ، ومما يقطع به دراسة التاريخ تلقح الأذهان وتنحب بني الإنسان، ويورث درسها قوة الجنان، وحصانة الرأي وصادق الاعتبار، لأن فيها درس أحوال الزمان، وقضايا البرية مختلفة الأحوال متباينة الأعمال، فيرى فيه قارؤه إحسان الأخيار، وإساءات الأشرار، وجور البغاة، وكفر الطغاة، ويرى السياسات العالية للملوك السامية، ويتجلى فيه خبث الطوايا وسوء النوايا، بحيث يخرج الدارس فيه وهو من أبطال الرجال المثقفين.

ولا شك أن أفعال الأوائل سلاح الأواخر وحجة الأكابر، وبه يأمن المرء من لوم اللائمين، وتأنيب المختصون، والأتباع أأمن من الابتداع، على نهج من مضى من أهل الحق نفس الإتباع. وإذا أخذ العاقل بعمل من سبقه من المسلمين لم يعنفه أحد من المؤمنين، وأفعال السابقين حجة اللاحقين، ومن لم يفهم عمن سبق، لم يدرك من الحق إلا القشر، ولم يعرف من الدهر إلا الاسم. والحقيقة أن التاريخ مدرسة عالية تجمع مختلف الإدارات، ومتباين الأغراض، وتجتمع فيها المواهب والمطالب من جميع الإنسانية أفرادا وجماعة ملوكا وشعبا، وما أبدته الدول من تقريب أمة وإبعاد أخرى على حسب مقتضى السياسات الخاصة والعامة، وانقلاب الأمور من أمة إلى أخرى، وانهيار صرح وقيام آخر ضده، والعمل المتباين في الأمة يقضي على العقول بالعجز عن إدراك الحقائق، ويعبر عن الدنيا تعبيرا صحيحا لمن يفهم لا لمن يسمع بأذنيه، ويمر على القضايا لا يلقي

٢٤ / ١٬٠٨٢