الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٢وهكذا حتى شاء القدر، ورأى ذلك الشهيد في النوم. والجنود محيطة به والسيوف تنتاشه، ويرشح دمه، وهو يجالد العدو صابرًا، وهذا الرجل البكاء ينظر على الحال التي عليها ذلك الشهيد، وإذا به يتقاعس ويختفي عنه شيئًا فشيئًا. ويود أن يتوارى بسرعة حتى لا يراه الشهيد فيستنصره على عدوه، حتى هم بالهرب فقدر الله أن رآه الشهيد، في أخريات الناس فدعاه فخجل ألا يجيبه فأجابه من غير قلبه، فقال له ترى الحال الذي أنا فيه، وهؤلاء الأعداء من حولي، فخذ هذا السيف والترس، وقاتل معي عسى الله أن يفرج عنا بك، فأخذ السيف والترس واختفى عن نظر الشهيد ثم هرب بهما معه وباعهما. وأكل ثمنهما وراح، فأين بكاؤه الذي يبكيه. وأسفه الذي تأسفه، وأين غيظه على العدو الذي يزعمه فقد هرب حتى بالسلاح، ولم يرده لصاحبه، وإن قيل هذه رؤيا منامية. فالواقع هي برهان غلى ما في اليقظة، وأن أحوال هؤلاء الناس أغلبها هكذا.
فالتاريخ يبدي لنا تمحيص الحقائق ناصعة غير مستورة، ويعبر عن طوايا الناس كما هي واضحة زمن يعتبر يجد الحق فيه واضحًا، أن الغرض الوحيد من التاريخ هو الإقتداء، ومعنى الإقتداء كبير إلى حد بعيد لا يكاد يستطاع لقياس عليه، فإن معنى الإقتداء يفتح أبوابًا تفوت الحصر وتعجز الدهر، فمعنى الإقتداء في الأخلاق والديانات والأحكام، ووضع القوانين السياسية الملائمة لكل زمان، المناسبة لكل أوان، عملا بمعنى الإقتداء، فإنهم ساروا على النهج الصحيح الوارد عن الشارع في إخراج الأحكام الشرعية في محلها، والقوانين العرفية بدلها عند عدمها، وفي تطبيق الأنظار بحسب الأصول المشروعة، وإلى هذا يشير قول القائل: أحدثوا أحداثًا فأحدثنا لها أحكامًا، والمعنى أخرجنا لها أحكامًا تطابق وضعها، فإن الشرع وضع أصولا لا يرجع إليها المنقول. ولا ينافيها المعقول، فإن لكل إمام سياسة كما