الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٣لكل زمان كذلك وإن تطور الدهر لا يخفى على كل ذي عقل سليم، فكم جاء في وقت خاص ما لا يتفق إلا في وقته الخاص به، وكم جاء مناسبًا لكل وقت، وإذا أردنا أن نذكر من هذا النوع أمثلة: أتتنا مندفعة من كل وجه تزدحم على الأفكار بحيث تتركنا نقول لا حاجة إلى ذكرها لشهرتها، وهذه هي ميزة خاصة بالموضوع، ولكل مقام مقام. وهنا كلمة لعمدة المؤرخين العلامة ابن خلدون نرى أن نضعها هنا ختامًا لهذا المقام في علم التاريخ. قال في مقدمة تاريخه العبر. في خطبة الكتاب.
أما بعد. فإن فن التاريخ من الفنون التي تتداولها الأمم والأجيال، وتشد إليه الركائب والرجال، وتسمو إلى معرفته السوقة والأغفال، وتتنافس فيه الملوك والأقيال، ويتساوى في فهمه العلماء والجبال، إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدوام، والسوابق من القرون الأول تنمي فيها الأقوال، وتضرب فيها الأمثال، وتطرف بها الأندية إذا غصها الاحتفال، وتؤدي إلينا شأن الخليفة كيف تقلبت بها الأحوال، واتسع للدول فيها النطاق والمجال، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال، وحان منهم الزوال، وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل الكائنات ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يعد في علومها وخليق، إن فحول المؤرخين في الإسلام قد استوعبوا أخبار الأيام وجمعوها وسطروها، في صفحات الدفاتر وأودعوها، وخلطها المتطفلون بدسائس من الباطل هموا فيها أو ابتدعوها، وزخارف من الروايات المضعفة لفقوها ووضعوها، واقتفى تلك الآثار الكثير ممن بعدهم وأدوها إلينا كما سمعوها.