عُمَان عبر التاريخ سالم بن حمود بن شامس السيابي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٤

وسار في خطبته سيرًا واسعًا بين فيه أحوال التاريخ والمؤرخين إلى مدى بعيد بعيد يطول بنا ذكره. وقال: مقدمة في فضل علم التاريخ: اعلم أن علم التاريخ عزيز المذهب جم الفوائد شريف الغاية، إذ هو يوقفنا على أحوال الماضيين من الأمم في أخلاقهم والأنبياء في سيرهم والملوك في دولهم وسياستهم، حتى تتم فائدة الإقتداء في ذلك لمن يرويه في أحوال الدنيا والدين، فهو محتاج إلى مآخذ متعددة ومعارف متنوعة، وحسن نظر وتثبيت يفضيان بصاحبهما إلى الحق، وينكبان به عن المزلات والمغالط، لأن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل، ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني، ولا قيس الغائب منها بالشاهد والحاضر بالذاهب، فربما لم يؤمن فيهما من العثور، ومزلة القدم والحيد عن جادة الطريق الصادق، وكثيرًا ما وقع للمؤرخين والمفسرين، وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع، لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثًا أو سمينًا، ولم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها، ولا سيروها بمعيار الحكمة، والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار، فضلوا عن الحق. وتاهوا في بيداء الوهم والغلط، ولا سيما في إحصاء الأعداد من الأموال والعساكر، إذا عرضت في الحكايات إذ هي مظنة الكذب ومطية الهذر، ولابد من ردها إلى الأصول وعرضها على القواعد، وهذا كما نقل المسعودي. وكثير من المؤرخين في جيوش بني إسرائيل، وأن موسى أحصاهم في التيه. بعد أن أجاز من يطيق حمل السلاح خاصة من ابن عشرين فما فوقها، فكانوا ستمائة ألف أو يزيدون، ويذهل في ذلك عن تقدير مصر والشام. واتساعهما لمثل هذا العدد من الجيوش لكل مملكة من الممالك حصة من الخاصة تتسع لها وتقوم بوظائفها، وتضيق عما فوقها تشهد بذلك العوائد المعروفة والأحوال المألوفة.

٣٤ / ١٬٠٨٢