عُمَان عبر التاريخ سالم بن حمود بن شامس السيابي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٥

وذهب هذا المذهب منتقدًا ومحققًا وباحثًا وقائسًا، وموبخًا للذين يأخذون القضايا جزافًا ولا يهتمون بنظر يتحقق معه المقام، وأشار إلى دول الفرس، وأنهما أعظم من ملك بني إسرائيل بكثير، وأشار إلى بخت نصر، وما كان له من السلطان على بني إسرائيل، وأشار إلى جيش رستم في القادسية وما كان من أمره وأطنب في ذكر تلك الأحوال بين بني إسرائيل، والفرس. وليس ذلك من غرضنا، وإنما نشير إلى أن مثل هذه الأحوال حفظها لنا التاريخ كما قال ابن خلدون. وعلى كل حال، فقد أطال المذكور في فوائد التاريخ بحسب الفن المعروف، ولقد أشار إلى فوائد أيضًا من قال وقد أجاده:

نبني … كما … كانت … أوائلنا

تبني … ونفعل … مثل … ما … فعلوا

فلولا التاريخ من أين لنا أن نعلم ما فعلت أوائلنا، وبالجملة فقد صح الإجماع على أن علم التاريخ من أشرف العلوم في الإسلام، ومما ينبغي أن يشتغل به ويدون وأن يعار اهتمامًا بالغًا، ويحرر تحريرًا كاملاً، فإن فيه أسرار جوهرية، تتجلى فيها العبقرية كما هي، ولا تضيعه إلا الأمم المكتوب لها الانحطاط، فإن من يدري عمل سلفه من الأعمال الفاضلة لا يرضى أن يتركها إلى الأعمال السافلة، إلا إذا كان مختل الشعور أو خائر العزيمة، أو منهار العقل، فإن الغالب كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ) (1). وكم قامت الغيرة برجال للسير إلى منهج آبائهم، ويرون مخالفة ذلك نزولاً عن الشرف كما صح عن كثير من الناس أمثال ذلك في كل جيل، فلذلك ترى الإفرنج تدرس سير رجالها درسًا دقيقًا وتتبع حركاتهم وسكناتهم بكل مالها من قوى.

-------------------

(1) من الآية رقم23من سورة الزخرف.

٣٥ / ١٬٠٨٢