الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٤٣المهلكة، والدين ينافي الدنيا إذا لم يمش أهلها على الصراط المستقيم، وكفران النعم يورث البوار، وهذا منها والعياذ بالله، وما كان الإباضية يرضون بمثل هذه الأحوال، فإن المجرم يلزم تتويبه وتوبته بحسب حاله، فأما الإمام ومن في معناه فتوبتهم أن تكون علنًا في مجامع الناس، لأنها تنبني على أحكام ديية، فإن الله ما ترك المسلمين يروحون ويغدون كما يشاءون غير مناقشين ولا مسئولين تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فإن الله لا يهمل مثقال ذرة ولا أدنى منها مهما كان، وهذه الأفعال، وما سيأتي ذكره من الأحداث التي يقترفها راشد بن النضر وزميله الوزير، وما يأتي بها قومهم من الأعمال التي لم تعرف في دين الله عزوجل، ولا ارتضاها أحد ممن له أدنى مسكة من عقل، فإن الإمامة نزيهة عن عبث الناس، وبعيدة عن السفاسف، فإنها لم تقم إلا لتكون ضدًا للظلم وضدًا للظلمة وضدًا للجور وأهله، ولم يعرف في مذهب المسلمين فضلا عن أعمال صفوة الأمة إلا أن راشدا كان سلطاناً لموسى بن موسى، يقضي كل واحد منهما غرض الآخر، وكان موسى على ما يظهر رجلا غشيماً وزعيماً متغطرساً، كان يحاول الرئاسة التي هي الزعامة لا الإمارة الدينية، مع أنه كان على يقين من سيرة أبيه موسى بن علي في عمان، إذ كان القدوة الصالحة لهم، وكان راشد بن النضر توصل إلى الرئاسة بالزعيم موسى بن موسى ليقضي غرضًا كان له في نفسه، وحب الرئاسة هو الشهوة الخفية، التي هلكت بها أمم وانهارت من أجلها عروش، وسوف ترى وتسمع عن راشد بن النضر ووزيره موسى بن موسى أحوالا، وترى لهم أعمالا في الأمة توجب عزل راشد وتخرجه من الولاية، إذ كانت له ولاية إن صحت تلك الأعمال، والدين لا يقوم على أساس الباطل، والجور والظلم لا يصح معهما دين مهما كان.