الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٦٢لم يعذروا أهل تلك الفتنة إلا بالبراءة من عثمان وأشياعه، وبعد انقراض تلك الفتن وذهاب تلك الأمم، لم يلزموا الناس أن يحكموا في عثمان وأشياعه بحكم إلا من يلزمه العلم القاطع بحدثهم، وعرف الحكم في ذلك، فإن يلزمه أن يحكم فيهم بحكم الله لأداء الواجب من فرض البراءة. وأما الجاهل بحدثهم وحكم حدثهم فلا يلزمه منه شيء، وإنما يلزمه أن يتولى المسلمين على ولايتهم لمن تولوا، وبراءتهم ممن برءوا منه، وهؤلاء الغلاة ألزموا الناس البراءة من موسى وراشد بعد مضي ثلاثة قرون، فحكمهم في ذلك مخالف قطعا لحكم المسلمين في أشياع عثمان.
لأن المسلمين يعذرون الجاهل بعد انقراض المحدثين، ويوسعون لهم في الوقوف ما لم يتولوهم أو يعرفوا الحكم فيهم، وهؤلاء يلزمون الناس الجاهلين البراءة من موسى وراشد بعد انقراض ثلاثة قرون، وإن جهلوا الحكم فيهم قالوا يلزمهم أن يسألوا عن دينهم والبراءة من المحدث واجبة، فعليهم أن يسألوا عن واجبهم، قلنا: ذلك فيمن وجب عليه وهو أمر خاص لا يعم الناس كلهم، وإنما يعم من بلي به. ثم إن البراءة من الأشخاص ليست مثل الصلاة والصوم، فإنها وإن كانت لازمة فإنما تلزم من وصل إلى علم ذلك ببصر نفسه، أما من وصل إليه ببصر غيره، فلا تلزمه بإجماع، وإنما تلزمه على قول، ليس لهؤلاء الغلاة أن يخطئوا أحدًا تمسك بقول من أقوال المسلمين، ثم إن الدين يتم من غير أن نذكر في اعتقادنا البراءة من فلان وفلان، بل يكفي أن نعتقد البراءة من جملة أهل الضلال.
فقد بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والناس في جاهلية عمياء فلم يكن يدعوا إلا إلى الشهادتين ثم يعلمهم شرائع الإسلام، وكانوا قبل ظهوره يقولون آباءهم وطواغيتهم، فلم يكن صلى الله عليه