الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٣السلطان الحقيقي من أيديهم، وصيرورة الخليفة منهم رئيسًا دينيًا لا أمر له ولا شيء ولا وزير، وإنما له كاتب يدبر اقتطاعاته واخراجاته لا غير، وصارت الوزارة لعز الدولة يستوزر لنفسه من يشاء، ومعنى هذا أن الأمر إليه كله نقضًا وإبراماً، وحلاً وعقدًا، وأمرًا ونهيًا، وعليه فقد انتهت الخلافة تمامًا، وانقضى دورها، ولكل شيء غاية ينتهي إليها (وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) 4 ظن بنو العباس أن الدنيا خلقت لهم، والخلافة خصت بهم، والمر إليهم وتأولوا الأحاديث، واستدلوا بتأويلهم أن الخلافة إلى آخر الدهر فيهم إليهم، وما دروا أن الله هو السلطان الحقيقي، وان كل العبيد تحت قهره وتصرفه، وأمرهم بيده، فعاثوا في الأرض فسادًا، وفي الدين ضلالا، وفي الأحكام جورًا، وفي الحق باطلا، فسلط الله عليهم عدواً أدنوه منهم، وقربوه بأنفسهم، فسلطوه على الأمة فتسلط عليهم عقوبة بغيهم وفسادهم، وتكبرهم وعنادهم.
قال الخضري في محاضراته: وكان يخطر ببال معز الدولة أن يزيل اسم الخلافة عنهم بل عن عامة آل العباس ويوليها علوياً لأن القوم كانوا شيعة زيدية، وكانوا يعتقدون أن بني العباس قد غصبوا الخلافة إلى آخره، والقوم قد انحلوا من الأمر تماما قبل هذا التاريخ، وتولى عليه خدامهم الذين كانوا جنوداً وضباطًا، وأصبح اسم السلطان يعلن لهؤلاء، واسم الخلافة لأولئك، وكان السلطان إليه الحل والعقد وليس للخليفة إلا اسمه وهو قاعد في لهوه وطربه، نائمًا بين قيناته وغوانيه، متمتعاً بلذاته وأغانيه، وهكذا وهذا شاهر، ظاهر، ولو كنا معنيين بتاريخهم لرأى الناس فيه العجب، وذكرنا هذا توطئة لسكون الغزوات من نحوهم على عمان وعدم الاعتراض على العمانيين،