عُمَان عبر التاريخ سالم بن حمود بن شامس السيابي

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٦١

وهذه رسالة بعث بها الشيخ القاضي أبو عبدالله محمد بن عيسى السري رحمه الله، إلى الإمام راشد بن علي ينصحه بها، ويشترط عليه فيها، ويدلي بما عنده من الصراحة للإمام فيما يجب الدخول فيه من أمور المسلمين، وما لا ينبغي نوردها ليؤخذ منها المغزى الذي عليه الإمام المذكور وأصحابه، وما يجب لهم وعليهم، قال فيها:

أما بعد: فإذا طلبتم مني الاجتماع والألفة، وبذلتم من أنفسكم قبول النصيحة فإني راغب في مقاربتكم وموافقتكم، وكاره لمباعدتكم ومفارقتكم، غير أنه لا يصلح اجتماع على غير طاعة الله، وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام، فإنه جعل في طاعته المحبة والاجتماع والألفة، وجعل في معصية العداوة والبغضاء والفرقة، فإن أردتم مني اجتماعا في الظاهر، فإني لا يمكننني من ذلك غير ما أنا فاعل، وإن أردتم اتفاقاً في الظاهر والباطن، فحتى أرى منكم غير ما أنتم عليه والله لا يستحي من الحق.

وكأن هذا الشيخ ينكر على الإمام ومن معه الأحوال التي هم عليها كما يدل كلامه على ذلك. قال: ولا دهان في الدين، ونحن غدًا مسئول بعضنا عن بعض، وقد قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً) 16، وقد أنزل الله كتابه وأرسل رسوله وأوضح دينه، ولا جهل ولا تجاهل في الإسلام، وقد تقدم من المسلمين خلفاء وقضاة وأئمة وولاة، أخبارهم شاهرة وسيرتهم معروفة ظاهرة، فمن اتبع سبيلهم اهتدى، ومن خالفهم ضل وغوى، وقد قيل اتبعوا ولا تبتدعوا، وقيل شر الأمور محدثاتها، وقبل كل شيء إذا ذهب منه شيء ذهب كله. قلت: هذا مبني على أصل المذهب الصحيح أن الدين لا يتجزأ، بل إذا ذهب بعضه ذهب كله، ويدل عليه الحديث:

٦١٣ / ١٬٠٨٢