الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٨٢المرزبان يبتدئ بفتح الحرب
رأى المرزبان الهيئة العربية حوله مستعدة لقتاله وكان هوجاء من صُحار لذلك فزحف بعسكره وجميع قواده وجعل الفيلة أمامه وأقبل نحو مالك ابن فهم وأصحابه ونادى أصحابه بالجملة عليهم قائلاً لهم: يا معشر فرسان الأزد احملوا معي فداكم أبي وأمي على هذه الفيلة فاكتنفوها بأسنتكم وسيوفكم، أي فإنها قوتهم التي يعولون عليها، وجنتهم التي يتسترون بها، ثم حمل مالك بن فهم وحملت أبطاله معه حملة عربية مملوءة حماسا وشدة، وراموا الفيلة بالرماح والسهام ثم أردفوها بالسيوف، فولت الفيلة راجعة بجملتها عل عسكر المرزبان، فوطئت منهم خلقا كثيرا، ثم حمل مالك في كافة رجاله الصناديد وأصحابه الأبطال على المرزبان وأصحابه، فانتقضت تعبئة المرزبان وجالوا جولة، ثم بانت العجم ورجعت إلى بعضها بعض، وأقبلت في حدها وحديدها، وصاح المرزبان في أصحابه وكافة جنوده، وأمرهم بالحملة فحملوا والتقى الجميع واختلط الضرب واشتد القتال، فلا يسمع إلا صليل الحديد ووقع السيوف، واقتتلوا يومهم أشد ما يكون من القتال، وثبت بعضهم لبعض إلى أن حال بينهم ظلام الليل فانصرفوا، وقد انتصف يعضهم من بعضهم وعرفوا موقفهم الراهن، وعظمت بينهم المحنة، فإن كل فريق يقول عن غُلبنا غبنا، وإن غَلبنا لنفعلن في العدو ما يشفي غيظنا، وقد أكل السيف شرارة الرجال من الفريقين، إلا من الفرس أكثر عددًا والعرب أقوى جلدًا ثم أعادوا الحرب في اليوم الثاني على ذلك النظام، فكثر في الفرس القتل وقويت جرأة العرب على القتال، وما زالوا كذلك حتى حجز الليل بينهم فكان الليل لدفن الأموات وعلاج الجرحى، وفي اليوم الثالث كذلك أو أشد، فكان القتل آخذًا مأخذه من الرجال، والسيف يضحك في أكف الأبطال، والأسنة لها الطعنة النجلاء في ثغور الأفيال، والحرب نار تلتهم كل ما تلحق بلا جدال،