الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٨٦مالك بن فهم يلقى نظرة إلى قلهات
قد قدمنا أن مالكا خلف بقلهات النساء والأطفال، وترك معهم حامية مانعة، فبعد انتهاء حرب الفرس زحف إلى قلهات ليؤيد زعامته فيها، وهي الكورة المنيعة والفرضة الرفيعة، التي لها الشأن إذ ذاك في الساحل عُمان، لإلتقائها الوارد من الهند إلى عُمان، والوافد من بحر العرب إلى الخليج العُماني قبل صُحار، وأغلب محطات التجارة العُمانية من هذه الوجهة هنا، وربما كانت أقرب لاستطلاع الأحوال الفارسية، لأن طرق المواصلات البحرية لا تزال تؤدي إليها، فانتقل إليها ريثما يتمهد أمره وتستقر دعائمه ويتوطد ملكه، ولم يدخل بذراعيه داخلية عُمان لعلمه أن العدو لابد أن يرى منه ما يكره، ويقصد العدو بيضة القوم فتكون الذراري في مأمن من الحوادث المتوقعة، وهذا من بديع سياسته، ولما رأى أن الدائرة تدور على الفرس، وخرجوا من قلب عُمان مدحورين، هب إلى قلهات وللملوك سياسات بقدر ما هم فيه.
قال الإمام السالمي: «وانحاز مالك بن فهم إلى جانب قلهات، ثم لم يزل على باله وأمرهم، فكان يستعد لما أقبل من أيامه، فإنه لا يدري ماذا يكون عليه من القوم أومن غيرهم. وصرف الدهر غير مأمونة، وقد تمرس مالك بقتال العجم، وشاع الواقع في أحياء العرب، فزاد ذلك من إكبار مالك وإجلاله في القلوب، وعلت هيبته في الهامات، فصار لا يأمل إلا حربا ولا يهوى إلا طعنا وضربا، وفي أثناء مهدنة مالك بن فهم للعجم قاموا يطمسون الأنهار الكبيرة، لأنهم يعلمون أنهم لا قرار لهم بعمان إلا ريثما يرتحلون منها في تلك المدة، لأن المراسلات والإبلاغات في تلك العهود للراجل أوالراكب الناقة أو الفرس، وفي كل شيء حكمة إلاهية، ولكل زمان أحوال ومناسبات