الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٩١الحرب تشتد بين مالك بن فهم والفرس لتنتهي
لما رأت الفرس في هذه المعركة لوائح التقهقر، وأن مالكا لابد أن ينفذ فيهم ما صرح به لهم من أنه يقتل المقاتلة ويسبي الذري، أعلنوا لرجالهم الهجوم على مالك بغير مبالات، وأن يصبروا لحرب مالك صبر المستميت ورأوا أن يحملوا على الأزد حملة رجل واحد بحيث لا يبقى منهم أحد في موقفه، فأما النصر على مالك وإما الانهزام النهائي، فزحفوا إليهم بغير مبالات فجالت الأزد جولتها ونادت في رجالها البواسل، وناداها مالك الهمام قائلاً: يا معشر الأزد اقصدوا إلى لوائهم فاكشفوه، فان لهذا اليوم ما بعده، وتهاووا عليهم من كل وجه، وحمل الشيخ حملته الملوكية فهوى على العجم كالنجم المنقض للرجم، فسرعان ما انكشف لواء القوم واختلط الطعن والتحم القتال، وعظم النزال، وارتفع الغبار، وثار العجاج حتى حجب عين الشمس، فلا تسمع إلا وقع السيوف وصليل الحديد وغمغمة الأبطال، وتراموا بالسهام فتقصدت، وتجالدوا بالسيوف فتكسرت، وتطاعنوا بالرماح فتحطمت، وصبروا صبرًا جميلاً، وكثر الجراح والقتل في الفريقين، فبدرت بوادر الهزيمة للفرس الأشداء، ولم يروا لهم قوة تقابل العرب غدًا إذا زحفوا عليهم، ففكروا في المصير، ورأوا الهزيمة أو الموت النهائي، وهما أمران أحلاهما مر، ثم فضلوا الهزيمة فولوا منهزمين على وجوههم، فأتبعهم فرسان الأزد الأبطال المنتصرون بنشوة النصر يقتلون ويأسرون من لحقوا، وقتلوا منهم خلقًا كثيرًا، وأسروا كذلك، والحظ في صالحهم يمشي.
وفي ذلك الأثناء كان المقدر أن التقى فراهيد بن مالك بن فهم بأسنفديار ابن المرزبان، وكان من أعظم قواد الجيش الفارسي، فطعنه فراهيد طعنة أرداه بها قتيلاً ثم جلله بالسيف ليستأصله، فهلك تماماً