جواب السائل الحيران في مسألة رؤية الرحمن: ويليه جواب مماثل للمحقق سعيد بن خلفان الخليلي محمد بن علي بن محمد المنذري

جواب السائل الحيران في مسألة رؤية الرحمن

الجزء ١ · صفحة ١٣

الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه (1) قال الشاعر:

شريعة (2) حق بين لم يردها الله (3) فدين

الله

إلى غير دين دين مذہب

واحد وإن تنوعت فروعه، وذلك نقل منه لهم سبحانه من درجة إلى أخرى، إما توسعاً نظراً لمصالحهم أو حداً لا يتعدى ابتلاء منه، ليميز الخبيث من الطيب وليخزي الفاسقين، ويمحق الكافرين، جحوداً كان لردّهم (4) النبي وما جاء به مع نفوذ، البرهان ولتمسكهم (5) بالشرائع المنسوخة بغياً منهم، أو كفر نعمة (6) كما عليه أكثر متشعبي الملل، إذ لم

(1) الشورى 13.

(2) الشريعة: ما شرعه الله تعالى من الهدى لعباده، وهي والملة بمعنى واحد، وقيل: الدين والشريعة بمعنى ولكن العبارات تختلف باختلاف الاعتبارات فباعتبار إملاء الملك للنبي أو هو للأمة: يعبر عنه بالملة، وباعتبار انقياد العباد لما جاء به الرسول يعبر عنها بالدين، وباعتبار بيان الشارع يعبر عنها بالشريعة، أنظر: شرح المسند للإمام نور الدين (92/ 1) ط: المطابع العالمية وبداية الإمداد للشيخ سليمان بن محمد الكندي ص 137 ط: وزارة التراث. (3) عرف الإمام القطب - عليه رحمة الله تعالى – الدين الذي هو بمعنى الأحكام الشرعية بقوله: وضع إلهي سائق لذوي الألباب باختيارهم المحمود إلى ما هو خير لهم بالذات. أنظر: شرح النيل (6/ 2) ط: مكتبة الإرشاد. (4) كذا في الأصل ولك أن تقول: كردهم .. الخ. (5) كذا في الأصل ويصلح أن تقول: كتمسكهم .. الخ. (6) ينقسم الكفر عند أصحابنا - رحمهم الله تعالى - وعند جماعة من المحققين من غيرنا إلى كفرين: كفر شرك ويعبر عنه بكفر الجحود، وكفر نعمة ويطلق عليه إسم الفسوق والنفاق، قال شيخنا العلامة المحقق أحمد بن حمد الخليلي - حفظه الله تعالى ومتعنا بحياته – في تفسيره العظيم (جواهر التفسير) (329/ 2 - 332): … كفر النعمة هو الاجتراء على الله بترك ما فرض كالصلاة والصوم والزكاة، وارتكاب ما حرم كالزنا والربا والسرقة وشرب الخمر من غير استحلال للفعل أو الترك وهو لا يؤدي بصاحبه إلى الخروج من الملة، إذ تبقى له أحكام الإسلام في الدنيا ما عدا الولاية، فتجوز مناكحته وتبقى موارثته ويدفن مع المسلمين غير أنه يسلب الولاية - وهي المحبة في الله - وينقلب إلى ضدها وهو البراءة، وهذا القسم كالذي قبله - أي كفر الجحود - ثابت بالكتاب والسنة، ثم أورد - حفظه الله - أدلة كتاب الله وسنة رسوله على ثبوت هذا النوع من الكفر - وسيأتي ذكر الأدلة على

جميع

من

-

الكفر

-

ذلك فيما بعد، ثم قال حفظه الله -: وإن تعجب فعجب ممن ينكر هذا القسم من بعد ثبوته بالكتاب والسنة، ويشنع على الإباضية بأنهم يقولون به ويلقيهم - بسبب ذلك - في مصاف الخوارج الذين يكفرون أهل التوحيد تكفيراً يخرجهم من الملة، وأنت إذا تدبرت كلام المحققين من المحدثين وغيرهم وجدتهم يصرحون بصحة ما ذهب إليه أصحابنا من تكفير مرتكب الكبائر كفر نعمة لا كفر شرك، وكفى بإمامي المحدثين - البخاري ومسلم – اللذين صرحا في صحيحيهما بهذا الكفر غير مرة، وقد مرّ بك كلام ابن العربي - وهو في مقدمة أئمة المالكية فقهاً وحديثاً وتفسيراً -[سيأتي كلام ابن العربي، وتجد نحوه في كلام النووي في شرحه على صحيح مسلم ومثله ما قاله المحققون من شراح البخاري كالحافظ ابن حجر في فتح الباري والعيني في عمدة القاري والقسطلاني في إرشاد الساري وهو الحق الذي لا غبار عليه، أما الذين يشنعون على من قال بكفر النعمة فلا يخلو إما أن يكون تشنيعهم نتيجة سوء فهم أو قلة علم، وإما أن يكون بباعث حالة نفسية تدفع إلى تشويه الحقيقة ومكابرة الحق، وكثيراً ما يرتبك هؤلاء عندما يواجهون مثل هذه النصوص فيتكلفون لها تأويلات شتى، كالقول بأنها يراد بها المبالغة فى التنفير عن تلك الأعمال، أو أنها أطلق عليها اسم الكفر لأنها من شأن الكفار غالباً وهي تأويلات لا تتفق مع سياق النصوص، وإنما يلجؤهم إليها التقليد الأعمى والتعصب البغيض ا .. هـ كلام الشيخ - حفظه الله تعالى. الأدلة على إطلاق كلمة (الكفر) على مرتكب الكبير:

أولاً من الكتاب:

-

-1 - قوله تعالى: ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) [آل عمران / 97]. والمراد الاستطاعة لأن قوله تعالى: ومن كفر فإن الله غني كفر: من لم يحج مع بمن

عن العالمين مقابل لقوله تعالى: من استطاع إليه سبيلا. قال العلامة ابن عاشور في التحرير والتنوير (24/ 4): قال جمع من المحققين إن الإخبار عنه بالكفر هنا تغليظ لأمر ترك الحج والمراد كفر النعمة ا .. هـ كلامه. وقال أبو حيان في البحر المحيط (12/ 3): قال السدي وجماعة: (ومن كفر) بأن وجد ما يحج به فلم يحج فهذا كفر معصية.

:

-[قوله تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) وقال: فأولئك هم الظالمون وقال: فأولئك هم الفاسقون) [المائدة / 44 و 45 و 47]، جاء في تفسير القرآن العظيم للإمام أبي الفداء الحافظ ابن كثير (97/ 2): .... وقال عبد الرزاق - أيضاً - أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال: سئل ابن عباس عن قوله ومن لم يحكم) الآية؟ قال: هي به، كفر قال ابن طاوس وليس كمن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وقال الثوري عن ابن جريج عن عطاء أنه قال: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، =

23

22