جواب السائل الحيران في مسألة رؤية الرحمن
الجزء ١ · صفحة ١٧بذلك:
انقسم الناس إزاء (المحكم) و (المتشابه) إلى طائفتين كما أخبر - سبحانه وتعالى - فالأولى: الذين في قلوبهم زيغ وميل إلى الباطل، فهؤلاء يتبعون المتشابه ويتركون المحكم لأنهم يستطيعون أن يحرفوا ذلك إلى أهوائهم المضلة، وعقائدهم الفاسدة، وينزلوه عليها لاحتمال لفظه فيضلون به الناس ويحملونه على أهوائهم -، أما المحكم فهو حجة عليهم يفضح مواقفهم، ويدحض
ابتغاء الفتنة
،
شبههم، ويهدم تقريراتهم، والثانية: الراسخون في العلم - وهم المهتدون - وهؤلاء يردّون المتشابه إلى المحكم لأنه أصل له كما أخبر بذلك عز وجل: منه آيات محكمات هن أم الكتاب) قال الإمام القطب في الهيميان (13/ 4): ( … (هن أم الكتاب) أي: أصله يردّ إليها غيرها من المتشابه، مثل قوله تعالى: لا تدركه الأبصار) [الأنعام/103] فإنه محكم، وقوله تعالى: إلى ربها ناظرة) [القيامة / 23] متشابه يحتمل النظر إلى ذاته ويحتمل انتظار ثوابه فيحمل على انتظار الثواب ردّاً إلى قوله تعالى لا تدركه الأبصار .. ا. هـ، وقال الفخر الرازي في تفسيره (188 - 187/ 7): ه … . ويدخل في هذا الباب استدلال المشبهة بقوله تعالى الرحمن على العرش استوى) [طه/5] فإنه لما ثبت بصريح العقل أن كل ما كان مختصاً بالحيز فإما أن يكون في الصغر كالجزء الذي لا يتجزأ وهو باطل بالاتفاق، وإما أن يكون أكبر فيكون منقسماً مركباً وكل مركب فإنه ممكن ومحدث، فبهذا الدليل الظاهر يمتنع أن يكون الإله في مكان، فيكون قوله: (الرحمن على العرش استوى متشابهاً، فمن تمسك به كان متمسكاً بالمتشابهات ا. هـ، وقال أبو البركات النسفي في تفسيره (147/ 1): … (متشابهات مشتبهات محتملات، مثال ذلك الرحمن على العرش استوى) فالاستواء يكون بمعنى الجلوس وبمعنى القدرة والاستيلاء ولا يجوز الأول على الله تعالى بدليل المحكم وهو قوله تعالى: ليس كمثله شيء) [الشورى/ 11] .. ا. هـ. وقال القرطبي في تفسيره (1255/ 2 - 1256): «قال شيخنا أبو العباس - رحمة الله عليه.: متبعو المتشابه لا يخلو أن طلباً يتبعوه ويجمعوه للتشكيك في القرآن وإضلال العوام كما فعلته الزنادقة والقرامطة الطاعنون في القرآن، أو طلباً لاعتقاد ظواهر التشبيه كما فعلته المجسمة، الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية حتى اعتقدوا أن الباري – تعالى – جسم مجسم، وصورة مصورة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وإصبع، تعالى الله ذلك ثم ذكر حكم من يعتقد التشبيه فقال: «القول بتكفيرهم إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام والصور ويستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا ا. هـ
عن
من
الله
قلت: مضى علماء الإسلام - على اختلاف مذاهبهم في كل العصور – على التحذير هذه الفرقة الضالة المنحرفة عن الطريق السوي المتجرأة على الله بتشبيهه – تعالى بمخلوقاته، فإن لهم من الضلالات ما تقشعر منه الأبدان، ويذوب منه قلب الغيور على عز وجل، فقد جاءوا في حقه - عز وجل - شيئاً إذاً تكاد السماوات يتفطرن دين منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّا [مريم / 90] فلا غرو إذا ما أطبقت كلمة علماء الأمة على الحكم بضلالهم، والتحذير من مسالكهم الملتوية، وطرقهم الخبيثة، في إغواء الناس وإفساد عقائدهم إذ أنهم يتخذون لنشر ضلالاتهم، وبث معتقداتهم أخبث الطرق - بما توحيه إليه شياطينهم - ومن ذلك أنهم يعمدون إلى اختيار تسميات يسمون بها أنفسهم - كالسلفية - تغريراً للعوام، واستقطاباً لرعاع الناس، ومناغاة لعقول من تستهويهم مثل هذه الأسماء، ابتغاء منهم للفتنة وإضلال الناس عن دينهم وصرفهم عن تنزيه خالقهم - عز وجل - لما في قلوبهم من زيغ، كما أخبر عنهم – عز وجل – في قوله: فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله. ومما يحضرني وقت كتابة هذه الأوراق من كلام العلماء في هؤلاء المجسمة الحشوية ما قاله العلامة ابن القشيري - كما نقله عنه العلامة محمد بن محمد الزبيدي في كتابه إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين) (176/ 2 - 177): قال ابن القشيري: وقد نبغت نابغة من الرعاع لولا استنزالهم للعوام بما يقرب من أفهامهم ويتصور في أوهامهم لأجللت هذا المكتوب عن تلطيخه بذكرهم يقولون: نحن نأخذ بالظاهر ونجري الآيات الموهمة تشبيهاً، والأخبار المقتضية حداً وعضواً على الظاهر، ولا يجوز أن نطرق التأويل إلى شيء من ذلك، ويتمسكون بقوله تعالى: وما يعلم تأويله إلا الله، وهؤلاء - والذي أرواحنا بيده - أضر على الإسلام من اليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأوثان، لأن ضلالات الكفار ظاهرة يتجنبها المسلمون، وهؤلاء أتوا الدين والعوام من طريق يغتر بها المستضعفون، فأوحوا إلى أوليائهم بهذه البدع وأحلوا في قلوبهم وصف المعبود – سبحانه بالأعضاء والجوارح والركوب والنزول والاتكاء والاستلقاء والاستواء بالذات والتردد في الجهات، فمن أصغى إلى ظاهرهم يبادر بوهمه إلى تخيل المحسوسات، فاعتقد الفضائح فسال به السيل وهو لا يدري ا. هـ. وقال العلامة الدين عبد العزيز بن عبد السلام (ت / 660) في «ملحة الإعتقاد ص 39: «والحشوية المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه: ضربان أحدهما: لا يتحاشى من إظهار الحشو ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون [المجادلة/18]، والآخر يتستر بمذهب السلف لسحت يأكله أو حطام يأخذه أظهروا للناس نسكا
عز
:
عالم السلام
وعلى المنقوش داروا يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم [النساء/91]، ومذهب السلف إنما هو التوحيد والتنزيه دون التجسيم والتشبيه، ولذلك جميع المبتدعة يزعمون أنهم على مذهب السلف =
31
30