جواب السائل الحيران في مسألة رؤية الرحمن
الجزء ١ · صفحة ٣١الميعاد (2)
والعهد يعمهما نظراً لما عندهم لو أطلق لانتفى خلفهما معاً، فأوجبوا فيه القرينة الخارجة، أو عدم استمراره لإقامة ما هم عليه تعسفاً دحضه بقوله مع الأعم من العهد منعاً، هو وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته) (1) أي: في وعد ولا وعيد حالاً ومآلاً، ولقوله: إن الله لا يخلف، ثم هم جعلوه لإنزالهم إياه منزلة خلف البعض محل تهمة في المقال إذ من أمكن منه خلف البعض أمكن، سائره تعالى الله عن إلحادهم علواً كبيراً. ثم يقال لهم: ما ذالكم قوله تعالى: رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيراً للمجرمين (3) فبكتو (4)، وذلك حال من يأتي على غير وجه الأصل، ثم إن المراد بهذا إظهار عدم اقتصار في «لن» على القرب والانقطاع دون التأبيد إعكاساً لحجتهم عليهم، وإن قالوا إن اقتصار «لن» عليهما بلا إجماع فقد ردّوا إلى التأويل ولم يتعينوا به من غيرهم، فما جعلهم بها عمدة برهانهم لرفع الرؤية إلى الاستقبال مخطئين بها من على غير طرفهم من مجاز اللغة فيها؟ كلاً .. بل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين (5)
وقول الشيخ: إن القوم إن كانوا مؤمنين … إلخ، وإن كانوا كفاراً … إلخ» محتجاً بردعه لهم إذ طلبوا الآلهة بقوله المبني على (6) المنع: إنكم قوم تجهلون (7) .. فكأنه جعل نزول القرآن على حرف واحد، ليكون كله نسقاً الدلالة على الأمر والنهي بصريح النص دون القرائن والأسباب ما عليها العرب (8)، فإذا قصر عن كونه معجزاً بذاته بل هو معجز بقصره عن متناول
(1) الأنعام 115.
(2) آل عمران/ 9.
(3) القصص / 17.
(5) الأنعام / 149.
(6) في الأصل: عن.
(7) الأعراف/ 138.
(4) بكته بالحجة أي غلبه والتبكيت: التقريع والتوبيخ. أنظر: اللسان 11/ 2.
(8) مما عليها لغة العرب أي: كما جرت بذلك لغتهم.
بلاغة العرب (1)، وهو محال (2)، بل هو آية في البلاغة رعى مرعى الحقيقة (3) والمجاز (4)، والإطالة (5) والإيجاز (6)، والتوكيد (7)، والاختصار، والحذف (8) والتكرار (9)، والكناية (10) والإضمار (11)،
(1) كذا العبارة في الأصل والمعنى بقصر متناول بلاغة العرب عن مضاهاة بلاغته. (2) أي يستحيل أن تبلغ بلاغة البلغاء من العرب مكانته في البلاغة فذلك أمر محال مهما حاولوا قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) [الإسراء/88]. (3) اللفظ الذي يفيد معنى مصطلحاً عليه في الوضع الذي وقع فيه التخاطب وأمثلتها في القرآن
كثيرة.
(4) اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي نحو قوله تعالى: واجعل لي لسان صدق في الآخرين) [الشعراء / 84] أراد ذكراً حسناً، ويطلق بعضهم على الاستعارة اسم المجاز ومنها قوله تعالى: وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض) الكهف /99] أصل الموج حركة الماء فاستعاره لحركتهم.
(5) وهو الإطناب والإسهاب لغرض تقوية المعنى في النفس وتعظيمه كقوله تعالى: (فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة، وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة) [الحاقة /13 - 14] وقوله: (إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم [النور/ 15]. اللفظ القليل الجامع للمعاني الجمة بنفسه ومنه قوله تعالى: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) [الأعراف/ 199] فقد جمع الله تعالى فيه مكارم الأخلاق على
(6) هو
اختصاره. (7) نحو قوله تعالى: (قواريرا قواريرا [الإنسان 15 - 16]، وقوله: هيهات هيهات لما توعدون المؤمنون/ 36] وقوله: إن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا) [الشرح / 5 - 6].
(8) نحو قوله تعالى: فغشيهم من اليم ما غشيهم [طه/78] قال الزمخشري: هذا من باب الاختصار ومن جوامع الكلم التي تستقل مع قلتها بالمعاني الكثيرة أي: غشيهم ما لا يعلم كنهه إلا الله. ا. هـ. الكشاف (547/ 2) ومنه حذف الجمل المطوّلة كقوله تعالى: إذهب بكتابي هذا فألقه إليهم الآية [النمل / 28] فأعقبه بقوله - حكاية عنها -: قالت يا أيها الملأ إني القي إلي كتاب كريم [النمل/ 29]، تقديره: فأخذ الكتاب فألقاه إليهم فرأته المرأة بلقيس وقرأته وقالت ....
(9) وذلك نحو تكرار القصص والذي في سورة الرحمن وسورة المرسلات. (10) الكناية عن الشيء: الدلالة عليه من غير تصريح باسمه كقوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى) [طه/5] قال الزمخشري: لما كان الاستواء على العرش وهو سرير الملك مما يردف الملك جعلوه كناية عن الملك (530/ 2).
(11) منه قوله تعالى: في تسع آيات إلى فرعون وقومه) [النمل/ 12]، أي: اذهب في تسع:
59
58