جواب السائل الحيران في مسألة رؤية الرحمن
الجزء ١ · صفحة ٤٢قلت: فانظر إلى ما يشير هذا النطس (1) لهم في هذه النكتة (2) المحققة الرؤية القلب بالعلم صريحة فتمعن …
ثم قال: والمعرفة الحاصلة في الدنيا بعينها هي التي تستكمل فتبلغ كمال الكشف والوضوح، وتنقلب مشاهدة، ولا يكون بين المشاهدة في الآخرة والمعلوم في الدنيا اختلاف إلا من زيادة الكشف ثم والوضوح … فإن لم تكن في معرفتك الله في الدنيا إثبات صورة وجهة فلا يكون في استكمالها صورة وجهة لأنها تلك المعرفة (3) لا يفترق منها إلا في زيادة الكشف كما أن الصورة المرئية هي المتخيلة بعينها إلا في زيادة الكشف، وإليه الإشارة بقوله تعالى: يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا) (4) إذ تمام النور لا يؤثر إلا في زيادة الكشف (5)
قلت: فانظر .. إنه يشير في كله إلى المشاهدة والرؤية بنور العلم القلبي
فليتأمل.
ثم
أكد بقوله: «ولهذا لا يفوز بدرجة النظر والرؤية إلا العارفون في الدنيا، لأن المعرفة هي البذر الذي ينقلب في الآخرة مشاهدة كما تنقلب النواة شجرة والحب زرعاً، ومن لا نواة له في أرضه ولا حب كيف يحصل له النخل والزرع؟، فكذلك من لا يعرف الله في الدنيا فكيف يراه في الآخرة؟
(1) النطس: العالم الذي يدقق النظر في الأمور الحاذق بالطب وغيره من العلوم، يقال: رجل
نطس ونطس ونطس قال أوس بن حجر: فهل لكم فيها إلي فإنني طبيب بما أعيا النطاسي حديما أراد: ابن حذيم، أنظر اللسان (232/ 6).
(2) النكتة: مسألة لطيفة أخرجت بدقة نظر وإمعان من نكت رمحه بالأرض إذا أثر فيها، وسميت المسألة الدقيقة: نكتة لتأثير الخواطر في استنباطها. اهـ. من التعريفات للجرجاني ص 316 ط: دار الكتاب العربي. (3) في الإحياء: لأنها هي بعينها. (4) التحريم /8. (5) قال شارحه الزبيدي (582/ 9): كما يرشد إليه لفظ الإتمام الذي هو بمعنى التوفية.
ولما كانت المعرفة على درجات متفاوتة كان التجلي كذلك .. قلت: فانظر إلى ما يشير إلى المشاهدة (2) القلبية إذ هو محل الزرع والنبات، مع أن الرؤية عندهم لعامتهم، وهو خص بها العارفين، ومحل المعرفة القلب لا العين فانظر بديع إشارته إلى نفيها عيناً وإثباتها قلباً (3) كما هو عندنا (4) .. فتأمل .. وذلك كما قال الشماخي (5): لا ينكره نافي الرؤية إلا أنه لا يسميه رؤية
(1) الإحياء المطبوع بهامش الإتحاف (582/ 9) ط: دار الفكر. (2) في الأصل: مشاهدة بدون أل. (3) أقول: إن الغزالي سطر بقلمه معنى الرؤية بعبارات الصوفية جامعاً بينها وبين المعرفة بالله تعالى جاعلاً الثانية وسيلة لنيل الأولى وطريقاً إليها وقد حاول في كلامه أن ينفي الصورة لله عز وجل – ويتجنب إثبات الجهة له تعالى، فهو لم ينف الرؤية في كلامه بلفظ صريح ولم يصرح بأنها رؤية قلب بل إن آخر كلامه في الإحياء يفيد إثباته لها بالعين لا بالقلب .. قال: … والحق ما ظهر لأهل السنة والجماعة من شواهد الشرع أن ذلك- أي المشاهدة – يخلق في العين ليكون لفظ الرؤية والنظر وسائر الألفاظ الواردة في الشرع مجرى على ظاهره إذ لا يجوز إزالة الظواهر إلا لضرورة والله أعلم أنظر الإحياء المطبوع بهامش الإتحاف (585/ 9) فتراه في كلامه هذا قد انتصر لمذهبه فلو قال إن تلك المعرفة تحصل بالقلب لاتسق نظم كلامه مع ما سبق عنه، والصوفية في إيمانهم بالرؤية لا يؤولونها بالعلم ولا بالمعرفة أنظر التعرف لمذهب أهل التصوف لأبي بكر محمد الكلاباذي (380 هـ - 990 م) ص 42 ط: دار الإيمان- دمشق (1407 هـ)، وعبارات الإمام الغزالي في توضيح معنى الرؤية كالتوسع في تعريف العلم الحصولي عند المناطقة فهو عندهم حضور» صورة الشيء عند العقل أو إنطباعها في العقل» فليتأمل. أنظر: المنطق للشيخ محمد رضا المظفر ص 13 ط: دار التعارف
-
للمطبوعات – بيروت
(4) قال الإمام محمد بن يوسف القطب - رحمه الله تعالى - في تيسير التفسير (410/ 3) ولا يدرك بالقلب - أيضاً - لأنه إذا صوره القلب لزم تحيزه وما ذكر بعده [الجهات- الزمان- الحلول اللون الغلظ - الدقة - الطول - العرض - الحاجة وإنما تدرك أفعاله الدالة على أوصافه الموجبة لوجوده بلا أول ولوحدانيته ا. هـ، وقال الشيخ نور الدين السالمي- عليه رحمة الله ورضوانه في التلقين ص 50: في ذكر ما يستحيل على الله تعالى: … . ويستحيل عليه إدراك ذاته تعالى بالعين أو بالقلب أو غيرهما من جميع الحواس، لأن ذلك كله نقص تعالى ربنا عنه علواً كبيراً ا. هـ.
(5) هو الشيخ الإمام أبو العباس أحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشماخي (1522/ 928)
رحمه الله تعالى-.
81
80