جواب السائل الحيران في مسألة رؤية الرحمن
الجزء ١ · صفحة ٤٨المبتدعين أكثر من حق المحقين لقوله: (وإن كثيراً ليضلون بأهوائهم بغير علم (1) فهو خصوص بمعنى العموم، وقوله: (وقليل من عبادي الشكور (2) إلى غير ذلك كما عرفته في المار (3).
واحتج النافي بقوله: (لا تدركه الأبصار (4) على نفي الوقوع وعلى الامتناع، وتوجيه الآية على الأول أن الرؤية إدراك البصر ولا شيء من إدراك البصر يتعلق به تعالى فينتج أن لا شيء من الرؤية يتعلق به تعالى، فإن الإدراك المضاف إلى الأبصار إنما هو الرؤية، فمعنى قولك: أدركته ببصري أي: رأيته، ولا فرق إلا في اللفظ
الأشخاص
ودليل الصغرى أن الرؤية هي الإدراك؛ لأنه لا يصح ثبوت الرؤية مع نفي الإدراك، ودليل الكبرى عموم نفي الإدراك في الآية عن كل بصر، لأن الجمع المحلى بأل يقضي باستغراق الأفراد ويلزم من عمومه فيها عمومه في الأزمان كما عليه المحققون من أئمة الأصول، من أن العموم في يستلزم العموم في الأحوال والبقاع والأزمان، فيلزم على هذا أن لا يراه مؤمن ولا كافر في الدنيا ولا فى الآخرة (5). وتوجيهها على الثاني - وهو امتناع رؤيته تعالى- فإن الآية ذكرت في معرض المدح بها فيكون نفي الإدراك بالنسبة إليه سبحانه كمالاً، فثبوته في حقه نقص، وهو في حقه تعالى محال …
(1) الأنعام / 119. (2) سبأ / 13.
(3) أنظر ما سبق ص 37. (4) الأنعام / 103.
(o).
(5) وأزيد بأن الفعل (تدركه) في الآية الكريمة جاء في سياق النفي والفعل يدل على الزمان إذ هو أحد جزئيه وقد دخل عليه حرف النفي فعم كل زمان لأن حكم الفعل المنفي حكم النكرة وهي في سياق النفي للعموم.
واعترضه المثبت من وجوه
(1)
الأول: أن الإدراك هو الرؤية على نعت الإحاطة بجوانب المرئي حقيقته النيل والوصول، والرؤية المكيفة (2) بكيفية الإحاطة أخص مطلقاً من الرؤية المطلقة، ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم …
: أنه - الثاني بعد تسليم كون (أل) للاستغراق وقد دخل عليها النفي
لا
فيكون لسلب العموم، ورفع الإيجاب الكلي، وذلك سالبة جزئية، وهي تنافي الموجبة الجزئية التي هي المدّعى، وحاصلة أن لا تدركه الأبصار موجبة كلية، لأن موضوعها جمع محلّى باللام الاستغراقية، وقد دخل عليها النفي فيرفعها، ورفع الموجبة الكلية سالبة جزئية (3)، وبالجملة فيحتمل إسناد النفي إلى الكل بأن يلاحظ (4) أولاً دخول النفي ثم ورود العموم عليه فتكون سالبة جزئية، ومع احتمال المعنى لم تبق فيه حجة. - الثالث: إن الدال على الاستغراق للأفراد مطلق في الأزمان فتكون القضية سالبة مطلقة لا دائمة والمعنى: لا تدركه الأبصار ما دامت في دار الدنيا لا دائماً، و لا دائماً) إشارة إلى مطلقة عامة موجبة؛ أي: تدركه الأبصار في دار البقاء الرابع: إن الآية تدل على أن الأبصار لا تراه، ولا يلزم منه أن المبصرين لا يرونه. جهة وليون وأجاب النافي عن الاعتراض الأول بمنع كون الإدراك ملزوماً بالإحاطة بجوانب المرئي، لأن الوصول إلى الشيء لا يقتضي الإحاطة به من جميع
!
(1) أنظر: المواقف في علم الكلام لعضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي ص 309. ط:
عالم الكتب. (2) في الأصل: الكيفية. (3) لأن السالبة الجزئية نقيض الموجبة الكلية. (4) في الأصل: بأن لا يلاحظ
93
92