جواب السائل الحيران في مسألة رؤية الرحمن
الجزء ١ · صفحة ٥٥علواً كبيراً، والثاني (1): أنه لو كان ذلك القبول لجوهر البصر (1) مع ما هو عليه من طبعه لصح له أن يراه في الدنيا، وقد قيل به جهلاً كما مر غير مرة (2)، من تعسفهم ما تقشعر منه الجلود، حتى أورثنا الضجر من القول بالبطلان مرة بعد أخرى لوفور تخبطهم في القول بالأهواء، وإذا بطل الجواز بجميع احتمالاته - ولا سبيل إلى القول بالوجوب - تعين الامتناع المقتضي لتنزيهه
بسموم
(3)
تعالى، وهو الحق المبين، وماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون .. وحسبك اضطراب أقوال الأشاعرة في الرؤية من دليل قاطع على عدم إصابة وجه الحق في تنزيه الباري - سبحانه، فإن قيل: ما دليلك على اضطرابهم فيها؟ قلت فبديهي هو كشمس الصيف لا غشاوة دونها ترمي المتالف، وحسبك قولهم فيها تارة إن محمداً رأى ربه ببصره، وهو قول الأشعري (3)، وقال أحمد كذلك فكررها حتى انقطع نفسه توكيداً للرؤية (4)، قال أبو بكر الرازي: عن سهل بن سعيد (5): إن الله تعالى أظهر من سبعين ألف حجاب نوراً قدر الدرهم، وقيل: مقدار منخر ثور)، وقال قوم: الله محمداً بالرؤية من بين سائر الأنبياء عليهم السلام- وقال الباقلاني: إن موسى - عليه السلام رأى ربه ولذا خر صعقاً، وأن الجبل رأه ولذا صار دكا، ومعنى تجلى ربه للجبل) أي: ظهر له، وقال بعضهم: شغله بالجبل حتى تجلى (7) .. !!
خص
(7)
(1) في المعالم وثانيهما. (2) عبارة المعالم: وقد قيل به جهلاً لازماً بالذات لا يتغير ولا يرد القول المذكور أيضاً- أي رؤيته الدنيا - لظهور بطلانه على كل تقدير مع الإنصاف. (3) أنظر فتح الباري (474/ 8) ط: دار الريان للتراث. (4) أنظر شرح جوهرة التوحيد للباجوري تنسيق وإخراج الأستاذان محمد أديب الكيلاني وعبد الكريم تتان ص 255 ط: سنة 1392 - 1972. لله ت (5) في الفتوحات الإلهية على الجلالين (188/ 2): سهل بن سعد الساعدي نقلاً عن الخازن. قول نسب للضحاك. أنظر: المصدر السابق. (7) أنظر مثل هذه الأقوال التي تصرح برد قول الله تعالى لموسى لن تراني) في روح المعاني للآلوسي ج 9 ص 5352 ط: دار إحياء التراث العربي.
ال
(6) هو
فانظر فرط جراءتهم على ربهم، فماذا كلّفه على ذلك؟!، ثم قالوا: وهذا دليل على أن محمداً وموسى والجبل رأوا ربهم .. !!
(2)
(3)
قال الرازي: إنه دنى فتدلى من ربه أي زاد في القرب (1)، قال الماوردي (2): دنى الرب عن ذلك محمد فتدلى إليه، وكذا قال النقاش (4)، وهذا في، وهذا في الدنيا (5) جمالي لهلول
من
فانظر فرط تحديدهم في ربهم إذ جعلوا له حداً ينتهي إليه في الدنو وتحولاً في التدلي، فإذاً محيز محدود منفصل يتصل به بمسافة تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً … وقال بعضهم: بل إن الرؤية خاصة بالآخرة وجائزة في الدنيا ولم تقع، وقال فريق منهم بامتناعها مطلقاً في الدنيا والآخرة وقد مر ذلك .... وفسر بعضهم (6) اللقاء من قوله فمن كان يرجو لقاء ربه بالرؤية في الآخرة، وعليه فالكفار والمنافقون يرونه لقوله تعالى: (فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه (7) فأين تخصيصها بالمؤمنين؟
(1) حكى الرازي في تفسيره مفاتيح الغيب (247/ 28) في معنى الآية ثلاثة أقوال: الأول دنو جبريل عليه السلام من النبي الله، والثاني دنا محمد الله من الخلق والأمة ولان لهم وصار كواحد منهم، والثالث: دنو الرب جل وعلا من محمد عليه الصلاة والسلام، وقد ضعف إرادة المعنى الحسي في معنى الدنو في هذا القول وسخفه ونبه إلى التأويل بقرب المنزلة والمكانة. (2) في المعالم، قال مكي والماوردي .. إلخ. (3) لعل صواب العبارة: عند ذلك .. (4) جاء في تفسير الخازن (191/ 4) ط: دار الباز: وقال آخرون: ثم دنا الرب- عز وجل- من محمد صلى الله عليه وسلم فتدلى أي: فقرب ثم قال: وقال الضحاك: دنا محمد من ربه عز وجل فتدلى أي فأهوى للسجود وقال في صفحة (193): وذكر ابن عباس والحسن ومحمد بن وجعفر بن محمد وغيرهم أنه دنو من النبي الله إلى ربه ثم أوّل معنى دنوه منه بظهور عظيم منزلته لديه وإشراق أنوار معرفته عليه وإطلاعه غيبه وأسرار ملكوته على ما لم يطلع سواه عليه .. 1. هـ. (5) أي: الرؤية. (6) الكهف/ 110. (7) التوبة/ 77.
اليات
کعب
107
1.7