جواب السائل الحيران في مسألة رؤية الرحمن: ويليه جواب مماثل للمحقق سعيد بن خلفان الخليلي محمد بن علي بن محمد المنذري

جواب السائل الحيران في مسألة رؤية الرحمن

الجزء ١ · صفحة ٦٢

كما علم هو امتناعها؟ فنقول: هؤلاء القوم إن كانوا مؤمنين كفاهم قول موسى عليه السلام: إن الرؤية ممتنعة ولنهاهم عن ذلك كما نهاهم عن جعل الآلهة بقوله: إنكم قوم تجهلون (1)، وإن كانوا كفاراً لم يصدقوه في حكم الله بالامتناع وإنما يكون السؤال عبثاً لا فائدة فيه .. إنتهى. ويقال على أثره: أما رسل الله وأنبياؤه فهم أعرف الخلق بالله تعالى، وأعلمهم بآياته، وما يجوز عليه أو يستحيل من صفاته، ولا نزاع في هذا بين أحد، وكيف يجوز القول بغيره في حق موسى الكليم، وهو رأس العارفين لربه العليم، عليه أفضل الصلاة والتسليم.

وأما سؤاله للرؤية مع علمه بامتناعها البتة، وعدم إمكانها على الأبد فلأمر ما؛ وهو أن قوماً عنده لم يجدهم النهي ولم يكفهم الزجر ولم تنجع فيهم الموعظة ولا الإنذار ولا الإعذار، ولا كانوا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، فلق الله لهم البحر، وأغرق فيه بقدرته الخصم فقالوا: يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة) (2) وأسمعهم كلامه بلا واسطة، فعظم مكرهم، واشتد كفرهم وكافحوا رسولهم بالكفر مواجهة بقولهم: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ((3) وقد كانوا لشدة ما بهم من العتو والاستكبار يقادون إلى الإيمان بسلاسل القهر والإجبار، وتلك سنة الله فيهم، فقد أبوا من قبول ما في التوراة من الشرائع والأحكام فشق الله عليهم الجبل كأنه ظلة، وظنوا أنه واقع بهم، وناداهم منادي الحق: (خذوا ما آتيناكم بقوة (4).

لالة

ولما أيس موسى عليه السلام من قبولهم لقوله، واستماعهم لنهيه عن طلب الرؤية سألها ليسمعهم الجواب عن الله بما يلقمهم الحجر، ويبني

(1) الأعراف / 138. (2) الأعراف/ 138. (3) البقرة / 55. (4) الأعراف/ 171.

هت بالا

سد

اقبال (7)

لك

اليأس بينهم وبين ما لا سبيل إليه لأحد من البشر، ولعظم هذه الجراءة منهم، وشناعة هذه الطلبة، وقبح كفرهم بمسألة الرؤية أخذتهم الصاعقة وهم ينظرون، كما سلط القتل على عبدة العجل إذ هم جاهلون، فأي عتب في السؤال على هذا الحال ولو اقتنعوا بالنهي، واكتفوا بالزجر لما قالوا: الن حتى نرى الله جهرة (1)، وهل يكون هذا إلا بعد محاورة وخطاب، نؤمن وزجر وعتاب، إذ قالوا: (أرنا الله جهرة (2)؟ فلو فعل ذلك ابتداء إذ قالوا ولم يمتنع منه لهم إذ سألوا، لما ألجأهم ضرورة العتو، وشدة الشكيمة في الشرك والغلو إلى أن يقولوا لرسولهم: لن نؤمن لك - جزماً - حتى نرى الله جهرة فأراد أن يسمعهم من كلام الله ما ينفي طمعهم، وتكون تلك الكلمة مما تقطع به الأرض، وتخر له الجبال هدا، عاقبهم الله بصاعقة شملتهم هلكاً، وقال لموسى: أنظر إلى الجبل (3) فلما تجلّت عليه آية منه جعلته دكا، ولكون موسى لم يرد حقيقة ذلك قال: أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء (4) فقد دلت الآية الشريفة على معان: - أولها: أن سؤال الرؤية على الحقيقة لم يرده موسى عليه السلام- بدليل قوله: ما فعل السفهاء منا.

:

-: وثانيها: إنما هي فتنة نوع بلاء واختبار يعلم بها إيمان أهل اليقين، وتزلزل أهل الشك المرتابين …

-

-

ثالثها: أن قومه سفهاء وجهلة .. رابعها: أنهم هم الواقعون في الفتنة بها، وكونها محمولة عليهم دونه

(1) البقرة / 55.

(2) النساء/153.

بدلالة ما سبق ..

(3) الأعراف/ 143.

(4) الأعراف/ 155

121