جواب السائل الحيران في مسألة رؤية الرحمن
الجزء ١ · صفحة ٦٣- خامسها: الشهادة عليهم بالضلال …
سادسها: التصريح بمكابرتهم وعنادهم ولجاجتهم على شركهم وعتوهم على ربهم بقولهم للرسول: لن نؤمن لك.
- سابعها: غضب الله عليهم وإرسال الصواعق الواصلة إليهم ليعلموا عاقبة ظلمهم: وما ربك بظلام للعبيد) (1) ولكن بطش ربك لمن تجرأ به شديد.
عليه
فقولك - يا هذا -: إن كان القوم مؤمنين كفاهم قول موسى السلام -: إن الرؤية ممتنعة .. إلى آخره، وإن كانوا كفاراً لم يصدقوه في حكم الله بالامتناع، وإنما يكون السؤال عبثاً لا فائدة فيه فقد قلنا: إنهم لم يكونوا في تلك الحالة مؤمنين، وأي إيمان يصح لمن يقول لرسوله: (لن نؤمن لك؟، أفيجوز أن يكون مؤمناً غير مؤمن في حالة واحدة؟، هذا باطل لا يكاد يقبله عاقل، بل الحق أنهم كانوا من قبلها مؤمنين، ثم صاروا بتلك الكلمة الشنعاء زائغين عن الحق، مرتدين عن الإسلام، كفاراً مشركين، شهد عليهم كتاب الله بذلك شهادة لا مرية فيها عند العارفين. وليس بدعاً هذا في بني إسرائيل؛ فقد عبدوا العجل، وقالوا: يا موسى اجعل لنا إلهاً كما قالوا له في هذه: لن نؤمن لك، وإنهم لم يصدقوه في قوله بحكم الامتناع من الرؤية لما غلب على عقولهم من الضلالة، ولشدة حرصه على إيمانهم وقوة طمعه في إنقاذهم من الهلكة، كما هو دأب المرسلين وعادة الأنبياء، أراد أن يسمعهم من كلام الله في ذلك ما يرتفع به نزاعهم، وتنقطع به أطماعهم، وأي فائدة أعظم من هذا؟! وأي عبث به؟!!!، فإن كان الكافر لا يعتنى به، والمعاند لا يعبأ به، فلأي شيء أنزلت الكتب، وأرسلت الرسل؟، ولأي معنى نتق الجبل عليهم لقبول الشرائع
(1) فصلت/ 46.
وعسى
والأحكام؟، ودك الجبل لهم ليعلموا استحالة الرؤية على ذي الجلال والإكرام، فهما من باب واحد وأفعال الله تعالى وآياته كلها منزهة عن العبث واللعب وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين) (1)، وأما قوله: (وما معنى الإدراك في قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار (2)؟ فإن قلت: معناه هو الرؤية مطلقاً، فلا دلالة فيه على عموم الأوقات والأحوال، بل قد تمكن في بعض ولبعض .. إنتهى أن يقال على أثره: ظاهر الآية الشريفة يؤذن بعموم النفي، ويقضي بمنع الإدراك الذي هو الرؤية مطلقاً، وتخصيص حكمها بأن يمكن في بعض ولبعض، ويمتنع في بعض ولبعض معلوم واضح لكل ذي بال أنه ليس لفظ الآية، ولا من معناها، وإنما هو شيء زائد عليها، وأمر خارج عنها، ليس هو منها، ولا مما تدل عليه لفظاً ولا معنى وما لم يقم عليه في الحق دليل فما إلى إثباته من سبيل فالتمسك بظاهر كتاب الله هو الحق بلا شك ولا جدال والرجوع عنه إلى ما يخالفه ويضادده باطل وضلال، وهذا قول واضح لمعارضة جلي المضاد بظاهر الآية الشريفة كما لا يخفى عليه من أدنى رمق من فهم، فكيف يجوز القول به أو التعويل عليه ..
من
6
6
الكفيل
له
وأما قوله: «وقد يستدل عليه بالآية على جواز الرؤية، إذ لو امتنعت لما جعل التمدح بنفيها، فالمعدوم لا يمدح بعدم رؤيته لامتناعها، وإنما التمدح في أن يمكن رؤيته، ولا يرى للتعزز .. إنتهى. ولا أدري ما أقول من البيان على مثل هذا الهذيان، الذي لا يتفوه به لسان عاقل، ولا يكاد يقوله إلا مبرسم (3) أحاطت به البلابل، فإن مما يؤدي إلى المضايق تعكيس الحقائق، وإني لأنزه قبل اليوم عن مثله فقهاء القوم،
(1) الدخان 38.
(2) الأنعام 103.
(3) قال الجوهري: البرسام علة معروفة، وقد برسم الرجل فهو مُبرسم اللسان (46/ 12).
123
122