جواب السائل الحيران في مسألة رؤية الرحمن
الجزء ١ · صفحة ٦٤عن
الله
لأنه إذا ثبت الاستدلال بنفي الإدراك والرؤية، فانقلب هو الدليل على ثبوت الإدراك والرؤية فلا بد أن يشمل هذا كل ما وجب سلبه وثبت نفيه مما لا يجوز أن يوصف به فيكون السلب دليلاً للإيجاب في كل شيء، فيكون قولك: (لا إله إلا الله» إثباتاً للشريك مع الله تعالى، ويكون قوله تعالى: لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد (1) إثباتاً للصاحبة والولد والوالد والأكفاء والأنداد له سبحانه وتعالى عما يقوله المبطلون علواً كبيراً، وهذا أوضح من أن أن يعتنى برده ويحتج على فساده .. وأما قوله: (وإن قلت: معناه الرؤية على وجه الإحاطة بالجوانب والحدود فدلالة الآية على جواز الرؤية وتحققها أظهر لأن المعنى أنه مع كونه مرئياً لا
يدرك بالأبصار لتعاليه عن التناهي والاتصاف بالحدود والجوانب» إنتهى. ومن العجب كيف هذا؟ وأنى لهم التناوش مكان بعيد) (2) فإذا كانت الرؤية على وجه الإحاطة بالجوانب والحدود على تقدير قوله وهي منفية عن الله تعالى فكيف تكون هي دليلاً لجواز الرؤية كما زعم؟، ولكن قد ثبت منه الإستدلال بالسلب على الإيجاب وما هذه إلا واحدة من ذلك الباب، وبطلانه أوضح من أن نرجع إليه في ثابتة الخطاب، وكيف لا يأنف من تأثير مثل هذا. كان من أولي الألباب، وإن هذا لشيء عجاب!!
من
وأما قوله: «وأيضاً الله تعالى موجود وكل موجود يصح أن يرى إنتهى .. فإن كبرى المقدمتين كاذبة، ولا خلاف فقد صرح بذلك أهل مذهبه الإمام حجة الإسلام الغزالي وغيره بل ليس المرتاب في الجملة إلا نوع من أجناس كثيرة، وإلا فلينظر بعينيه إلى هذه الرياح والأرواح، والأصوات والهواء المفتوق به بين السماء والأرض، إلى غير ذلك مما يطول ذكره، ويفوت
(1) الإخلاص / 3 - 4.
(2) سبأ 52.
?
حصره، أليس هي من الموجودات التي لا تمكن رؤيتها؟ ا ا ل وبالجملة فالأشياء كلها في هذا على أربعة أقسام:
أحدها ما يرى - بفتح الياء - ولا يرى – بضمها –، وهي نهاية الشرف وغاية الكمال لاتصافه بالقدرة على رؤية ما سواه وتعاليه عن إدراك غيره إياه وليس شيئاً كذلك إلا سبحانه وتعالى، فهو المنفرد بمطلق الكمال، والمتوحد بصفة العز والجلال ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) (1).
ثانيها: قسم يرى ويرى - بضم الياء وفتحها وهو أشرف ما بعده من
الملائكة والجنة والناس، والطير وسائر الحيوانات من الأقسام وهو
الدواب من الأنعام والبهائم والسباع وأكثر الحشرات.
ثالثها: يرى ولا يرى - بضم الياء الأولى وفتح الثانية – كالأجساد الكثيفة من الأرض والجبال والمعادن والنبات وما يشاركها في
ذلك من الجواهر والأعراض مطلقاً.
من
ورابعها: لا يرى ولا يرى مما يدرك بالحواس كالشم والذوق والصوت المدرك بالسمع أو مما لا يدرك بها كالإيمان والكفر والعقل والعلم والغضب والحلم وغيرها من الصفات والأخلاق التي كلف الشرع بها وأثاب وعاقب عليها، ولو لم يكن في الموجود هذا إلا كتاب الله وحده لكفى به وجوداً وناهيك به شهوداً فاتل عليه: بسم الله الرحمن الرحيم قل له: أرني صورته وأنت العاقل الحليم، أم تنكر وجوده فتفكر بعد إذ أنت مستقيم، بل لم يكن إلا مثل قولك: كل إنسان حيوان وبعض الحيوان الله الحح ليندارية
خون لها ملولة
اعلى
صامت،
(1) الشورى/ 11.
124