الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٧٤المنفيين، فكم من جليل كان مقيداً بالسلاسل والأغلال يتمنى الموت، وكم من مترف كان تحت أطباق الأرض وفي أعماق السجون لا يجد ما يسد به رمقه من القوت، والكل على جمر الإهانة والعذاب جالسون، ومن النجاة والعود إلى ما كانوا عليه آيسون، وها هم الآن قد أصبحوا وأصبح الملك لله في أوطانه نهم يتبخترون، وبالآية الشريفة يترنمون ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون فسبحان من بيده الملك والملكوت، يعز من يشاء ويذل من يشاء، أصبح في لحظة واحدة الشيخ أبو الهدى أمام السلطان وشيعته من الوزراء فقراء مقيدين ممقوتين، وصباح الدين بك المغضوب عليه وأمثاله المطرودون من السعداء المقربين
فما بعد هذا الانقلاب السريع الغريب من عجب، ولا معنى لليأس بعد هذا من كل ما يأتي بالالحاح في الطلب (آلى (الجيش المقدوني المظفر بأعظم يمين، ونادى أبطاله الأسود على رؤوس الجبال باعلان الدستور الثمين، فقال مولانا السلطان المعظم ملبياً) ذلك ما كنت أبغي وما أنا عن صاحب الحق بضنين)، فبلغت رنة الأفراح إلى عليين، وأصبح رؤساء الأحزاب والأديان متعارفين، وقواد عصابات الثورة مستسلمين، والضعفاء آمنين مطمئنين، لا مشاجرة ولا قتال، ولا نهب ولا اختلال، هناك اعتراف العالم بأسره بما ينسب لهذا الجيش الحكيم، ولذلك السلطان المحنك من الدهاء العظيم، فكم من دم كان في النية سفكه قد حقن، وكم من ضعيف كان مهدد الحياة أمن، فهو الذي ينطبق عليه أنه الساعي في سعادة الدولة، ورقي الأمة، وإلا فماذا يضره (لو قال: (لا أمنحه (وحوله ممن يجيب نداءه في مشارق الأرض ومغاربها من جنود وأمم ما لا يحصى عدداً وكلهم يفضل الموت في سبيل نصرته على الحياة الدائمة (فماذا (وصل إلى (القيصر) و الملايين يحصد بعضها رءوس بعض) وماذا (أدرك (شاه العجم (من الضرر في خاصة نفسه إذ قال (لا) فأصبحت الأمة والجيش قسمين تستغيث الأرض من فظائعها، وتستجير السماء من زلازلها) فلمولانا السلطان
المعظم الغازي عبد الحميد خان مانح الدستور حقناً للدماء في يوم 24 يوليو 1908) وفي إمكانه المماطلة (كل فخر وفضل، (فليعش مع ذلك الجيش المظفر الباسل وضباطه الأبطال في أمن ووئام وسلام والأمل وطيد في تنظيم الشؤون بطريقة لا تؤول إلى نبذ الاسلام ظهرياً أو تؤذن بإهانة الدين المبين، فنصبح والناقم أكثر من الراضي والفساد أعظم من الإصلاح (وهنالك الطامة الكبرى وسوء المنقلب () لا قدر الله)، على أننا لا نباغت (حزب الإصلاح (الآن بانكار شيء مما يقتضيه هذا المقام الحرج والموقف الخطير من التساهل في بعض الشؤون الموصلة إلى مآرب جليلة قولاً أو فعلاً فإن الشرع العزيز صرح بوجوب ارتكاب أخف الضررين حيث لا يحيد عنه ونسأل الله حسن المآل. هذا وقد (أقيمت الأفراح والاحتفالات استبشاراً بالدستور في جميع انحاء الممالك العثمانية في ذلك اليوم وكررت ذلك يوم عيد (الجلوس الشاهاني) الذي أقيم فيه في (المدينة المنورة (رسم الاحتفال بوصول) السكة الحديدية (الحجازية وقد عودت نفسي أن لا أهمل نصيبي في مثل هذا الميدان، فخطبت في جمعية الشبيبة المصرية بالمدرسة التحضيرية خطبة افتتحتها بهذه الأبيات الثلاثة:
) يحيى المليك مع الدستور (فافتخروا
يا أمة المجد إذ فازت مساعينا
وسددوا الرأي بالتدبير واتحدوا
في أيما موضع كنتم ولو «فينا»
فليس صورة) دستور (منمقة
(1) من المدن الشهيرة في أوروبا.
(N)
إن لم نر الجد في الاصلاح تغنينا
-1 {9 -
- 148 -