الأطفال والعنف
الجزء ١ · صفحة ٢٠36
الأطفال والعنف: اصله، متابعه، اكتسابه وطرق علاجه
الإنسان وتكسبه معارف ويتجاوب معها، دون أن تكون تلك العوامل مقصودة أو يكون الغرض منها تنمية شيء ما في الإنسان، فكما يملك الإنسان أن يؤثر في جيل غير، راشد يمكن لعوامل معينة أن تؤثر في هذا الجيل (غير الراشد) فتحدث فيه تغيرا معينة وتطورا في مهارات وخبرات معينة، ولا يمكن أن يكون الراشد هو دائما مصدر عملية التربية، إذ نجد أن كتب التربية تكاد كلها تجمع على الدور المهم والخطير لجماعة الرفاق في التأثير على شخصية الطفل، فهذا عمل ينمي في الإنسان قدرات معينة سواء أكانت سلبية أو إيجابية لكن ليست من قبل، الراشدين، ويقال كذلك بالنسبة للجيل غير الراشد نفسه، إذ يمكن أن يكون هو مصدر تأثير على شخصيته من حيث سعيه المستمر على تطوير بعض المهارات والقدرات فيه، فيقال إن ذلك الإنسان عصامي، وهذا لم يترب في بيت بل تعلم من الحياة، إذن فالسعي في تطوير المهارات كان ذاتيا.
ولا يسلم من هذا التأثير على شخصية الجيل غير الراشد، حتى الوضعية الاجتماعية وطبيعة الحكم السياسي وحتى المنطقة السكنية والمناخ وإلى هذا التعريف ذهب دورکهايم (1917 - 1885 EMILE /DURKHIEM) فقد عرف التربية بأنها جملة التأثيرات غير المباشرة التي تؤثر في ملكات الإنسان، وذلك بتوسط أشياء متنوعة من مثل القوانين وأشكال الحكم والصناعة، والظواهر الفيزيائية التي توجد بشكل مستقل عن إرادة الإنسان مثل المناخ والتربة والوضعية الاجتماعية، فهو لا يستثني في تعريفه أي شيء له علاقة بالطفل سواء كان إنسانا أو جمادا أو ظرفا معينا لا يستثنيه من التأثير على عملية التربية وتوجيهها إيجابا أو سلبا.
1 - إميل دوركايم/ التربية والمجتمع / ص 55.
الأطفال والعنف: أصله منابعه، اكتسابه وطرق علاجه
37
والتربية ظاهرة إنسانية قديمة قدم الحياة على وجه الأرض، مارسها الإنسان بعفوية وتلقائية ثم كون من خلال الممارسة والخبرة … مجموعة من المعتقدات والأفكار التي انتقلت من جيل إلى جيل لتسند العمل التربوي ولتشكل بعد ذلك نواة التفكير المنظم في التربية، فإذا كان موضوع التربية هو الإنسان؛ وهو كائن حي يتأثر بكل ما حوله من الظروف الزمانية والمكانية. فيصعب إذن بل يستحيل أن نفصل الإنسان أو نعزله عن الوسط الطبيعي الذي يعيش فيه، فإذا كان النبات يتأثر بالمناخ وبحرارة الشمس وأحيانا بالأصوات التي تنبعث من الكائنات من حوله، ويتأثر بنوعية التربة التي يزرع فيها وبنوعية الماء الذي يسقى به، ونفس الكلام يصدق على الحيوان بدرجة أكبر طبعا فإن الإنسان بما أعطاه الله من خصائص كثيرة يختلف بها عن الحيوان من مثل المشاعر والعواطف والعقل أولى بأن يؤثر فيه كل ما يقع حوله من تغيرات حتى الطبيعية منها، لهذا لا يمكن أن نحصر عملية التربية التي تعني أول ما تعني جملة التغيرات التي تحدث في شخصية الإنسان الوجدانية والأخلاقية والعقلية والجسمية … ) لا يمكن أن نحصر عملية التربية في عوامل معينة بل إن كل ما يؤثر في هذه الجوانب أو في إحداها نقول إنه عامل من عوامل التربية.
يقال هذا الكلام خاصة مع تعقد الحياة المعاصرة، إذ أصبح الإنسان نتيحة لتقارب أقطار المعمورة يحس أنه يعيش في قرية صغيرة يتأثر بكل شاردة وواردة تقع في مختلف أرجاء هذا الكون الفسيح.
1 - د. عبد الفتاح إبراهيم تركي / نحو فلسفة تربوية لبناء الإنسان العربي / دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، الطبعة الأولى 1993 ص 9