الأطفال والعنف: أصله، منابعه، اكتسابه وطرق علاجه بكير بن حموده الحاج سعيد

الأطفال والعنف

الجزء ١ · صفحة ٣١

58

الأطفال والعنف: اصله، متابعه، اكتسابه وطرق علاجه

لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ، فكانت أول صفة وصف بها الملائكة الإنسان بأنه يفسد في الأرض ويسفك الدماء، مع أنه توجد مخلوقات أخرى (الحيوانات (مثلا) لم توصف بهذا، والله تعالى في الآيات القرآنية لم ينف هذا الوصف بل أقره، فكان من بعد هذه الحادثة أول دم أريق على وجه الأرض هو دم هابيل بن آدم على يد أخيه قابيل.

وطبيعة الموضوع تجعل البحث فيه صعبا ومعقدا، فهو يستلزم سبر أغوار الأحداث التاريخية وتمييز الغث من السمين وليس من الهين تمييز ما هو أصلي مما هو اصطناعي في طبيعة الإنسان الحالية، ولا بالسهل أن نتعمق في معرفة حال لم يبق لها وجود، أو لم تكن موجودة قط، ولن توجد أبدا» 2، فماذا يقول الباحثون في الموضوع عن الإنسان والعنف؟

3

إن كان العنف يخترق تاريخنا فذلك لأن العدوانية الكامنة وراء العنف هي في الصميم من كيان الإنسان، هكذا قال أحد الكتاب مؤكدا حقيقة تجدر العنف عند الإنسان منذ أن وجد إلى يومنا هذا، فهو ظاهرة ملازمة له عبر تاريخه الطويل.

وفي نفس المعنى يقول فرويد: حين يُجبر الفرد في المجتمع] على التخلي عن العدوانية الملازمة له، فإنما هو مجبر على التخلي عن جزء من نفسه، وهو أمر صعب، فالعدوانية أو العنف على العموم أمر مصاحب للإنسان أو هو بصفة أدق جزء من كيانه فهو كما يحمل عواطف الحب يحمل عواطف البغض، وهو كما يحمل عوامل البناء يحمل معاول الهدم.

1 - القرآن الكريم سورة البقرة الآية 30

2 - جون جاك روسو / أصل التفاوت بين الناس / طبع موفم للنشر، الجزائر 1991 ص 23. 3 - فريق من الاختصاصين المجتمع العنف / ص 59

الأطفال والعنف أصله منابعه، اكتسابه وطرق علاجه

59

ويذهب فرويد إلى أقصى حدود المبالغة فيقول: ليس الإنسان قطعا

ذلك الكائن الطيب ذا القلب المتعطش إلى الحب والذي يقال إنه يدافع عن نفسه عندما يهاجم … فالإنسان في الواقع يغريه أن يشبع حاجته إلى الاعتداء على قريبه … ويستعمله جنسيا من دون موافقته … وينزل به الألم ويضطهده ويقتله، فهذا الرأي يحوي شيئا من الصواب وفي ذات الوقت يحمل الكثير من المبالغة فليس الإنسان كتلة من الشر وقوة للهدم والبطش والتعطش للدماء فحسب بل يحمل أيضا مقومات أخرى مضادة لها تنشد الخير والمودة وتسعى إلى البناء، ويلخص فرويد رؤيته للإنسان فيقول: الإنسان ذئب للإنسان فمن يجرأ تجاه جميع تعاليم الحياة والتاريخ، أن يكذب هذا المثل

2

لكن فرويد نفسه في كتابه معالم التحليل النفسي يقر أن للإنسان غريزتين: إيروس ويرمز بها إلى كل ما يدل على حب الحياة والبقاء واللذة والمتعة والتواصل مع الجنس الآخر، وثاناتوس ويرمز بها إلى كل ما يدعو إلى الهدم والتدمير، والموت، سواء ما يلحق بالآخرين أو ما يلحق بذات الإنسان

نفسه

أما الطاقة التي تدفع هذه الغرائز فهي قابلة للنقل تكون في ذاتها محايدة، ولكن تستطيع أن تنضم إلى دوافع الحب أو دوافع الهدم، وبذلك

1 - محمد الجوه مفهوم القمع عند فرويد وماركيز / ترجمة فتحي الرقيق دار الفارابي -بيروت لبنان الطبعة الأولى 1994 ص 55 نقلا عن فرويد الحياة الجنسية).

2 - سيجموند فرويد قلق في الحضارة / ترجمة جورج طرابيشي / دار الطليعة بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة 1979/ ص 72.