الأطفال والعنف: أصله، منابعه، اكتسابه وطرق علاجه بكير بن حموده الحاج سعيد

الأطفال والعنف

الجزء ١ · صفحة ٣٢

60

الأطفال والعنف: أصله، متابعه، اكتسابه وطرق علاجه

تتغير كيفية هذه الدوافع، وتعمل على زيادة مقدار شحنتها النفسية، وهذه الطاقة المحايدة هي ما اصطلح عليها بـ الليبيدو.

واستعداد الإنسان في بدايته لحمل هذه الصفات العدوانية المتجهة نحو الهدم أو الصفات المتجهة نحو المودة والبناء صرح بها روسو (1712 - 1788 ROUSSEAU) قائلا الطفل يأتي إلى الحياة نقيا قابلا لأن يتجه نحو الخير بنفس الدرجة التي يتجه بها نحو الشر)

2

وهو عين ما ذهب إليه جون ديوي (1952 - 1859 JOHN DEWEY) حين قال: الإنسان من طبيعة محايدة، فهو لا خير ولا شرير، وإنما لديه الاستعداد أن يكون هذا أو ذاك، ويتوقف ذلك على نوع التربية التي تتاح له 3، فالإنسان إذن ليس شريرا ولا خيرا بالطبع، ولكن فيه الاستعداد لأن يكون هذا أو ذاك حسب الخبرة التي يكتسبها، وحسب التربية التي يتلقاها، ووفق المؤثرات والظروف التي تحيط به.

ولعل النظرة التشاؤمية للآراء الأولى لا تنبئ إلا عن التاريخ الأسود القائم الذي عاشته البشرية، والتصرفات اللامعقولة التي كان يقوم بها الإنسان فيحصد بسببها آلاف الأبرياء.

وربما طرح السؤال التالي؛ أليس للحيوان صفات وحشية؟ ألم يسبق الحيوان الإنسان إلى الوحشية؟

1 - سيجموند فرويد/ الأنا و الهو / دار الشروق القاهرة - مصر، الطبعة الخامسة 1988/

ص 72.

2 - د. عبد الفتاح إبراهيم تركي / نحو فلسفة تربوية لبناء الإنسان العربي / دار المعرفة الجامعية الإسكندرية، الطبعة الأولى 1993 ص 52.

3 ـ د. عبد الفتاح إبراهيم تركي نحو فلسفة تربوية لبناء الإنسان العربي / ص 58.

الأطفال والعنف: أصله منابعه، اكتسابه وطرق علاجه

61

بالنظر إلى ظاهر الأشياء لا إلى باطنها يمكن أن يقال إن الحيوان يعتدي ويفترس أكثر من الإنسان لكن افتراسه واعتداؤه من أجل تلبية حاجة التغذية والغرائز الأخرى التي فطره الله عليها والتي ليس للعقل دخل فيها، فالحيوان لم يكن يوما عدوانيا تلقائيا نعني بذلك أن العدوانية لديه، ترتبط إما بالحاجات وإما بالمحرضات الخارجية، فسلوكاته العدائية تجد دائما تفسيرا لها، وحتى الاعتداءات التي تقع بين الحيوانات إنما تقع من القوي الأقل عددا على الضعيف الأكثر عددا، فلم تتسبب هذه الاعتداءات ـ التي هي بيولوجية - في انقراض حيوان في يوم ما، بل وراء الانقراض دائما شره الإنسان أو الكوارث الطبيعية فالعدوانية ليست غاية في ذاتها بل هي مرتبطة دوما بتصرفات [غذائية وجنسية] ضرورية لتوازن الحيوان

2

وإذا رأينا إلى علاقة الحيوانات بعضها ببعض، وجدنا كل ميل عدواني يقابله ويضبطه ميل كابح يمارس عمله من خلال سلوك طقسي يقوم به الحيوان الأضعف يأخذ طابع الرضوخ والاستسلام … فمن خلال طقوس الرضوخ والاستسلام التي يقوم بها الأضعف تتحول عدوانية الأقوى إلى مسالمة، فالحيوان يستسلم بما أودع الله فيه من مشاعر الخوف من الأقوى، فيعترف له بالقوة أو يسايره، أو يفر من أنيابه ومخالبه، أما الإنسان فلا يعترف بهذا القانون بل الحالة مؤقتة، فحين يتسلط القوي ويتجبر، يُمعن في إذلال الضعيف والاستهتار به ويسلبه كرامته وإنسانيته، أما الضعيف فحالما يأنس نفسه القوة فإنه يسعى إلى التحرر من تلك الأغلال، ثم بعد ذلك إلى من الثأر لنفسه من عدوه، فينقلب ضحية الأمس إلى جلاد اليوم.

1 - المجتمع والعنف / ص 60.

2 - المجتمع والعنف / ص 61.

3 - د. جليل وديع شكور / العنف والجريمة/ ص 49.