الأطفال والعنف: أصله، منابعه، اكتسابه وطرق علاجه بكير بن حموده الحاج سعيد

الأطفال والعنف

الجزء ١ · صفحة ٣٧

72

الأطفال والعنف: أصله متابعه، اكتسابه وطرق علاجه

فالمعتاد في المجتمعات الأولى هي حالة الحرب والعارض هو حالة

الأطفال والعنف: أصله، منابعه، اكتسابه وطرق علاجه

73

المريع في القرنين الثاني والثالث قبل الميلاد، قادت الأولى إلى الفناء تحت

السلم، وسكون الحرب إنما هي فترة راحة المقاتل والاستعداد لامتلاك القوة التراب والثانية إلى العدمية فوق التراب وبهذا ماتت الاثنتان عمليا والتعبئة من أجل حرب أخرى، حتى إذا اشتعلت نيران الحرب من جديد

كان مستعدا لأن يخرج منها بأقل الخسائر.

ومرورا كذلك بالحربين العالميتين الأولى والثانية، وترسانة الألمان

وخطط، الحلفاء، وملايين الضحايا الذين حصدتهم الحروب التي كانوا هم

فالمجتمعات البدائية بالنظر إلى هذين الأصلين التمايز والتبادل السلمي وقودها، ثم وصولا إلى مرحلة الرؤوس النووية للصواريخ العابرة للقارات

وما شهده العالم في نكازاكي وهيروشيماً باليابان إثر انفجار قنبلتين قتلت كل

أو العنفي)، يجعل المجتمع في حالة من التوتر، فهو يريد أن يتمايز ويتفوق وفي نفس الوقت يتبادل مع الآخر الذي يسعى بدوره إلى التفوق ويحتاج إلى واحدة منها آلاف الأبرياء في ثواني محدودة، ولم تعد هاتان القنبلتان الفتاكتان التبادل فإرادة كل جماعة لتأكيد تمايزها هي على قدر من التوتر يكفي لجعل إلا جزءا مهملا أمام مخزون الأسلحة الذي يدب فوقه العالم المتوحش

أدنى حادث يحول بسرعة التمايز المطلوب إلى خصومة فعلية، ويحكي

التاريخ الجاهلي، كيف قامت حرب داحس والغبراء من أجل سباق خيل واستمرت ما يقارب الأربعين سنة تحصد الأخضر واليابس، وكيف قامت حرب البسوس من أجل قضمة كلاً استأثر بها جمل فأكلها بردا وسلاما دون أن يدري أن تلك القضمة سيتناطح من أجلها البشر العقلاء، وسيحصدون فيها أرواحا بريئة بدل أن يزرعوا قناطير العشب والكلأ ليأكلوا منها هم

وبهائمهم.

ووصفا للحرب عبر التاريخ أفاض د. خالص جلبي في تتبع مراحل الحروب منذ أن وجد الإنسان على وجه الأرض، بدءا من أول دم أراقه قابيل بن، آدم ومرورا بظاهرة الجيوش الذكورية النظامية في حملة كل من داراً وكزركسيس على اليونان أو الحرب العالمية القديمة بين روما وقرطاجنة التي استهلكت موارد كلتا الدولتين من خلال ثلاث جولات من الصراع

1 - أصل العنف والدولة/ ص 105.

المتحضر!! فالجيل الثاني من السلاح النووي طور قوة التفجير حتى وصل

بقوة تفجيرية إلى 58 ميجا طن، أي ما هو أقوى من قنبلة هيروشيما بـ 3800 مرة، وكان وراء القنبلة الأخيرة الاتحاد السوفياتي الذي أراد إنتاج قنبلة أقوى من قنبلة هيروشيما بـ 6666 مرة)

2

من قال إذن إن المجتمع البدائي هو المتوحش فقط، وهذا المجتمع المتحضر لا يحمل بذور الحرب والقتال ألا يحق القول أن هذه المجتمعات تحمل نفس صفات المجتمعات البدائية، هذه المجتمعات التي تتبجح بإنشاء جمعيات للرفق بالحيوان ومنظمات لحقوق الإنسان، وهي في ذات الوقت تدخل أتون حرب تحصد الأخضر واليابس، وهي مستعدة لأن تدير رحى الحرب على كراسي باستعمال الأزرار لا الخناجر والسيوف، هذه الحرب التي يكون ضحاياها الملايين في الثانية الواحدة، ألا يحق أن ينطبق على هذه

1 - سيكولوجية العنف واستراتيجية الحل السلمي / ص 66. 2 - المرجع السابق ص 73.