الإباضية مذهب لا دين: دراسة تحليلية نقدية لنشأة الإباضية ولموقفهم من التعصب المذهبي هاني سليمان الطعيمات

الإباضية مذهب لا دين

الجزء ١ · صفحة ١٠

1

1

1

شبابه طلباً للعلم، ومنها ارتحل إلى الحجاز مرات عديدة ولفترات طويلة، فأتيح له أن يتتلمذ على يد الكثيرين من الصحابة والتابعين

روى عنه أنه قال: (أدركت سبعين رجلاً من أهل بدر فحويت ما بين أظهرهم إلاً البحر (16). يعني ابن عباس) (17)، كما روي عنه أنه قال: أدركت ناساً من الصحابة أكثر فتياهم حديث النبي (صلى الله عليه وسلم)) (18)

وقد تضلع في العلم، فكان من أئمة التفسير ومن أصحاب القراءات، احتج بأقواله مجموعة من المفسرين، وأشادوا بآرائه في هذا المجال، يقول عنه ابن حجر العسقلاني: (إنه من أعلم الناس بكتاب الله) (19). ويتميز تفسيره بالجنوح إلى المأثور المروي عن ابن عباس، وبالميل إلى المدلول اللغوي والبعد عن الأساطير والإسرائيليات، ورواياته في التفسير مبثوثة في كتب التفاسير، فهو لم ينقل عنه أنه كتب في التفسير كتابة خاصة (20).

وكان من أئمة الحديث في البصرة بلا منازع، وثقه. نقاد الحديث، وأجمعوا على جميع ضبطه وعدالته (21)، وحديثه في الكتب الستة، وإسناده عند الإباضية في الذروة العليا من مرتبة الإسناد، روى عنه كثير منهم، أشهرهم تليمذه أبو عبيدة راوي كتاب "المسند" المعروف بمسند الإمام الربيع، أصح كتب الحديث كما يرى الإباضية (22).

وعن

وهو من أهل الفقه والفتيا، شهد له معاصروه من الصحابة والتابعين بغزارة العلم، فعن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: ما رأيت أحدا أعلم بالفتيا من جابر بن زيد) عطاء عن ابن عباس قال: (لو أن أهل البصرة نزلوا عند قول جابر بن زيد لأوسعهم علماً من كتاب الله (23)، وأيضاً روي عن ابن عباس أنه قال لمن سأله عن مسألة من أهل العراق: عجباً لأهل العراق كيف يحتاجون إلينا وعندهم جابر بن زيد، لو قصدوا نحوه لوسعهم علمه). (24)

ووصفه ابن عمر (رضي الله عنه بأنه من فقهاء البصرة، ونصحه بأن لا يفتي إلا بقرآن ناطق أو سنة متبعة (25)، وهو في المرتبة العلمية يأتي بعد الحسن البصري، حتى ليروى أن الحسن البصري كان عندما يغيب عن البصرة بكل مهمة الفتوى إلى جابر بن زيد الذي كان صديقاً له (26) قال ابن حجر العسقلاني: وفي تاريخ ابن أبي خيثمة: كان الحسن البصري إذا غزا أفتى الناس جابر بن زيد) (27).

وبذلك أخذ الإمام جابر ينشر علمه بين الناس في المساجد، ويفتيهم في المشاكل التي تعرض لهم، ويدعوهم إلى التمسك بالدين والمحافظة على أصوله وفروعه، قال ابن

الأعرابي: كانت لأبي الشعثاء حلقة بجامع البصرة يفتي فيها قبل الحسن، وكان من المجتهدين في العبادة، وقد كانو يفضلون الحسن عليه) (28) وكان للإمام جابر رأي في الأحداث السياسية آنذاك، فقد انضم إلى جماعة أبي بلال مرداس بن أدية التميمي، الذي قدم إلى البصرة بعد نجاته من وقعة النهروان، وهي الجماعة التي سميت فيما بعد بفرقة الاباضية، ونظراً للدور الذي قام به جابر بن زيد في نشر المبادئ التي قامت عليها فرق الإباضية، وللمكانة العالية التي حظي بها في مجتمع البصرة بفضل ثقله العلمي جعله الإباضية إماماً ورئيساً لهم، خاصة بعد وفاة أبي بلال سنة (61) هـ حتى أنهم كانوا يصدرون عن رأيه في جميع أمورهم (29) وقد اختار الإمام جابر السرية في نشر دعوته حتى لا يتعرض من قبل الأمويين لما يؤذيه، ويبيد اتباعه، لذلك حرص الإباضية على عدم نسبة ما نقلوه عنه من أراء وفتاوى إليه، يقول د/ صالح الصوافي في معرض حديثه عن فقه الإمام جابر: (ربما كان لغلبة الدور السياسي الذي حققه جابر بن زيد، وما قام به من جهد لإرساء المبادئ التي قام عليها مذهبه الذي عرف فيما بعد بالمذهب الإباضي أثره في عدم الحرص إلى درجة كبيرة على نسبة الآراء الفقهية التي قال بها جابر إليه. وشيوع نسبتها إلى الفقه الإباضي بنسبة عامة، مع أن الثابت أن معظم ما تفرد به المذهب الإباضي من أحكام فقهية إنما قد أخذ في أغلب الأحوال عن جابر بن زيد (30)، ويقول في موضع آخر: أما فقه جابر وفتاويه فإنها رغم أهميتها وأصالتها وشيوع الأخذ بها إلا أننا نجد أن فقهاء الإباضية لم يوضحوا نسبتها كلها إليه .. بل يذهبون عادة في تقرير أحكامهم إلى أن والقول" عندنا" أو "وعندنا" أو " ويقول شيوخنا" ولا يحرضون كثيراً على نسبة آراء جابر إليه. . وإن كان واقع الحال أن أغلب فقه الإباضية يستند في رواية جابر إما حديثاً فيما روى من أحاديث ثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإما رأياً يوجد أصله وسنده فيما ينص عليه الكتاب الكريم وأثبته السنة المطهرة) (31).

والحقيقة أنه لا يعقل أن تكون آراء الإمام جابر بن زيد هي معظم فقه المذهب لأنه وكما بينا سابقاً عند الحديث عن نشأة المذاهب، أن المذهب الفقهي يتكون تدريجياً مع مرور الزمن بحسب تجدد الحوادث، ثم إنه قد قام أحد المعصرين من الإباضية وهو يحيى محمد بكوش بجمع فقه الإمام جابر في مجلد واحد، والمسائل التي جمعها ما هي إلا جزءاً يسيراً من فقه المذهب، وقد جمعها من كتب الإباضية ومن غيرها، فقد جاء في مقدمة الكتاب: (فقد وجدت في بطون الكتب أقوالاً عديدة للإمام جابر بن زيد، سواء ذلك في كتب الإباضية أو في غيرها من كتب المذاهب الأخرى، ثم رجعت إلى كتب الحديث فالتقيت برواياته منبثة

15

14