الإباضية مذهب لا دين
الجزء ١ · صفحة ١١هنا وهناك فانقدح في ذهني فكرة جمع ما تيسر لي جمعه وضمه في مجموعة أخرجها
للناس) (32).
إذن ما دام الأمر كذلك فإنه في تقديري أن الإباضية هنا وبوعي تاريخي منهم يبالغون في نسبة آراء المذهب الفقهية إلى الإمام جابر بن زيد، وذلك لاثبات إمامته للمذهب، وهو التابعي المشهور والمشهود له بالتبحر بالعلم، وقد أخذه عن ينابيعه الصافية النقية من الصحابة الكرام أنفسهم مباشرة، وبالتالي يكون فقه المذهب أقرب صلة بالنبوة من غيره من فقه المذاهب الأخرى، ولهذا نجد أحد المعاصرين من الإباضية وهو محمد الشيخ بلحاج يقول في معرض حديثة عن الإمام جابر بن زيد: (وإذا علمنا أن هذا هو الإمام الديني الحقيقي الذي يتشرف المذهب الإباضي بالانتساب إليه .. تبين لنا بكل جلاء ووضوح أن المذهب الإباضي هو أول المذاهب الإسلامية نشأة وتأسيساً وتأصيلاً، وأعلاها نسباً وسنداً لأنه أقرب إلى المنابع الأصلية النظيفة الطاهرة للتشريع من الكتاب والسنة وسيرة خيرة قرون هذه الأمة من المهاجرين والأنصار (رضي الله عنهم) قبل أن يعتري ذلك شيء من مساوي التحريف والانتحال والتحويل والتزوير) (33).
،
ومن قبل محمد الشيخ يقول مهنا بن خلفان البوسعيدي أحد علماء الإباضية في القرن الثاني عشر الهجري: فلاتك في مرية من الدين الإباضي = يقصد المذهب الإباضي = لأنه الحق العلي، وإنه الدين القويم والصراط المستقيم لا نرضى به بدلاً ولا نبغي عنه حولاً، ولو وجدنا أهدى منه إلى الهدى سبيلاً، وأقوم في الحق قيلاً لما رضيناه كثيراً ولا قليلاً. ولرجعنا إلى ذلك الدين الحق فاتبعناه من حين ما علمناه، ولكن أبى الله أن يكون الحق في غير المذهب الإباضي، كلا بل هو الطاهر الزكي، دلت على ذلك الدلائل الظاهرة، وشهدت له البراهين القاهرة، فظهر، على الدين كله ولو كره المشركون، وجحده فأنكره الجاهلون وهذا أمر بين لا لبس فيه كالشمس في كبد السماء في يوم لا غيم فيه لا يكاد يخفى إلا على من كان في الدنيا أعمى، ومن كان في هذا أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً) (34).
وهذه العبارة وأمثالها كثير في كتب الإباضية لا يخفى ما فيها من تعصب للمذهب وتقديس له، وهو الأمر الذي سنتحدث عنه فيما بعد.
وأما عن آثار جابر بن زيد العلمية فتذكر المصادر الإباضية أنه قد ترك كتاباً ضخماً يعرف ب (ديوان جابر تعرض فيه لمسائل الفقه والأحكام وضمنه الأحاديث التي رواها عن الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وضمنه أيضاً آراءه في العقيدة، إلا أن نوائب الدهر أتت عليه،
فضاعت أو تلفت كل نسخه، وتذكر أيضاً أنه قد ترك رسائل متفرقة ما زالت مخطوطة وموجودة في خزائن المكتبات العالمية (35). ويرى أحد المعاصرين من الاباضية أن تلك الرسائل لعلها جزءاً أو بعض أجزاء من الديوان المفقود، وأن فتاوى الإمام جابر المتداولة في بطون الكتب أثر من أثار ذلك الديوان
المفقود (36)
17
16