الإباضية مذهب لا دين: دراسة تحليلية نقدية لنشأة الإباضية ولموقفهم من التعصب المذهبي هاني سليمان الطعيمات

الإباضية مذهب لا دين

الجزء ١ · صفحة ٩

مصدراً أو مرجعاً إباضياً (3) إلا ونجد اسم جابر بن زيد في مقدمة فقهائهم وعلمائهم لمكن ورد في بعض كتب التراجم السنية ما يشكك فى انتساب الإمام جابر بن زيد إلى الإباضية، فقد جاء في تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني (4)، وفي تهذيب الكمال في أسماء الرجال للحافظ جمال الدين المزي (5) عن داود بن أبي هند عن عُزرة قال: «دخلت على جابر بن زيد فقلت إن هؤلاء القوم ينتحلونك، يعني الإباضية، قال: أبرأ إلى الله من ذلك.

وجاء أيضاً في تهذيب الكمال: (وقال ابن حبان في "ثقاته" وكانت الإباضية تنتحله، وكان هو تبرأ من ذلك) (6).

وجاء في أعلام الحفاظ والمحدثين: (عن همام بن يحيى عن ثابت البناني قال: دخلت على جابر بن زيد وقد ثقل، قال: فقلت له، ما تشتهي؟ قال: نظرة من الحسن (يعني حسن البصري قال: فأتيت الحسن وهو في منزل أبي خليفة، فذكرت ذلك له، فقال: أخرج بنا إليه. قال: قلت إني أخاف عليك، قال: إن الله سيصرف عني أبصارهم، قال: فانطلقا حتى دخلنا عليه، قال: فقال له الحسن: يا أبا الشعثاء، قل لا إله إلا الله. قال: فقال: "يوم تأتي بعض آيات ربك " (7)، قال: فتلا هذه الآية. قال: فقال له الحسن: إن الإباضية تتولاك! قال: فقال: أبرأ إلى الله منهم، قال: فما تقول في أهل النهر (8) قال: فقال أبرأ إلى الله منهم، قال: ثم خرجنا من عنده) (9).

ومثل هذه الروايات يرى الإباضية أنها مختلقة من قبل رواة أهل السنة الذين كانوا يرون في جابر بن زيد شيخاً جليلاً ومحدثاً ثقة، وبالتالي يجب عدم إلصاق تهمة الانتساب إلى الإباضية به حتى لا يُعد مجروحاً، خاصة وأن نقاد الحديث قد رفضوا روايات أصحاب البدع وعدوا منهم الاباضية، ويرى الإباضية أيضا أنه على تقدير صحة تلك الروايات فإنها لا تؤخذ على ظاهرها، لأن جابر ربما أنكر علاقته بالإباضية على سبيل التقية الدينية التي استعملها في مناسبات عديدة، كما استعملها غيره من أئمة الإباضية، وهي مشروعة في

المذهب (10).

هذا ولا أراني مضطراً لأن أطيل في التحقق من هذه القضية للأمور التالية: الأول: أنه قد كفانا مؤونة ذلك عدد من العلماء الأفاضل والباحثين المتخصصين من الإباضية وغيرهم (11)، ثم إن الإباضية قد قدموا فقههم في ندوة الفقه الإسلامي المنعقدة بجامعة السلطان قابوس في سلطنة عُمان سنة 1988 م على اعتبار أن إمامه هو جابر بن زيد، وذلك من خلال عدد من البحوث التي شاركوا. بها (12)، وهي

الندوة التي حضرها عدد كبير من العلماء المعاصرين، ومن مختلف أقطار العالم الإسلامي، وفي مقدمتهم الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، شيخ الجامع الأزهر

آنذاك.

الثاني: أنه من المقرر في البحث العلمي أنه لا يجوز الحكم على مذهب من كتب مخالفيه، وبالتالي فإن الأخذ من نتاج الإباضية مما كتبوه عن أنفسهم بأنفسهم أولى من الأخذ من نتاج غيرهم، فأهل كل بيت أدرى بما فيه، وكما قيل: أهل مكة

أدرى بشعابها. الثالث: أن التابعين الأجلاء أمثال جابر زيد، وسعيد بن المسيب، والحسن البصري، كانوا يعدون أنفسهم علماء مجتهدين، لا أصحاب مذاهب، لأن المذاهب لم تكن في عصرهم، وإنما تكونت بعدهم، وبالتالي فهم في الحقيقة للأمة كلها، ولهذا كان المعاصرون للإمام جابر من الصحابة والتابعين يعلمونه كأحدهم، لا كإمام الجماعة الحق والاستقامة كما يسمون أنفسهم، أو جماعة الإباضية كما يسميهم غيرهم، وإلا لما كان اسمه في الوسط العلمي آنذاك كاسمه اليوم، لذلك فإنه لا معنى لجعل

قضية نسبة المذهب عقدة الخلاف.

الرابع: أن انتساب الإباضية إلى الإمام جابر بن زيد أو عدم انتسابه إليهم، لا يقدم ولا يؤخر شيئاً في ميزان الحق بالنسبة للمذهب، لأن الإمام جابر كغيره من أئمة المذاهب الأخرى، ليسوا بمعصومين وآراؤهم لم تشكل كل فقه المذاهب، وما من إلا وقد انتقد عليه في اجتهاد خفي عليه فيه السنة، أو أخطأ فيه الاستدلال، فما توافق من آرائهم وآراء غيرهم من علماء المذاهب مع الأدلة الشرعية أخذ به، وإلا ـ ا ضرب به عرض الحائط

أحد

منهم.

شخصية الإمام جابر بن زيد العلمية ودوره في تكوين المذهب الإمام جابر بن زيد هو أبو الشعثاء الأزدي اليحمدي، الجوفي البصري (13). والشعثاء: اسم ابنته، وقبرها لا يزال معروفاً في بلدة "فرق" من ولاية نزوى بعمان وهو من قبيلة اليحمد الأزدية في عُمان، والجوفي نسبة إلى الجوف، وهي منطقة تقع في عمان، ومن أعمالها بلدة "فرق" التي كان مولده فيها سنة (21) هـ على أرجح الأقوال (14). والبصري نسبة إلى البصرة، عاصمة العراق العلمية آنذاك، حيث نشأ وعاش بها أكثر حياته، وفيها مات سنة (93) هـ على أرجح الروايات (15)، وقد كان انتقاله إليها في صدر

13

12