الإباضية مذهب لا دين: دراسة تحليلية نقدية لنشأة الإباضية ولموقفهم من التعصب المذهبي هاني سليمان الطعيمات

الإباضية مذهب لا دين

الجزء ١ · صفحة ١٥

المبحث الأول

الأحداث التي وقعت زمن عثمان بن عفان وموقف الاباضية منها لقد انعقدت الخلافة لسيدنا عثمان بن عفان سنة (24) هـ وفق أسس محددة وسياسة شورية واضحة رسمها سيدنا عمر بن الخطاب وهو يعاني من جراحه إثر طعنه غيلة على يد أبي لؤلؤة المجوسي.

وفي الأعوام الستة الأولى من خلافة سيدنا عثمان سارت الأمور في الدولة الإسلامية دون مصاعب، وبعدها بدأت الأحوال تتغير، فظهرت مشاكل أدت إلى تعثر سير الخلافة وأصبح نقد أعمال الخليفة والنيل من سلوكه الشغل الشاغل لكثير من الناس في الأقاليم الإسلامية: مصر، والبصرة والكوفة، وما هي إلا سنوات قليلة حتى أودت الفتنة بحياة سيدنا عثمان، وكان ذلك سنة (36) هـ.

أن فرقة الاباضية لم تكن قد ظهرت بعد إلا أنه كان لها موقف من عثمان بن عفان ومع) رضي الله عنه)، وقد جاء التعبير عن هذا الموقف على لسان عبد الله بن إباض الزعيم السياسي للإباضية والذي إليه ينتسبون، وذلك في رسالة بعث بها إلى الخلافة الأموي عبد الملك بن مروان، وهي رسالة مطولة تناقلها الاباضية جيلاً عن جيل، وورد ذكرها في مؤلفاتهم القديمة والحديثة، فمن مؤلفاتهم القديمة: كتاب السير والجوابات لمجموعة من علماء وأئمة عُمان، وهو إحدى منشورات وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، وقد قدم له وزير التراث القومي والثقافة بقوله: ( .... ومخطوط السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان، الذي نقدمه للقارئ والباحث العماني، ولقراء العالم أجمع، يفصح عن الكثير من جوانب الحضارة العمانية الإسلامية الزاهرة، كما يثبت ويدون تاريخها الإسلامي العظيم. دون هذا التاريخ أئمة وعلماء عُمان من القرن الأول إلى القرن السادس الهجري وذكروا أنهم يريدون أن يفيد منها الأعقاب والذرية كما أفادوا هم من أسلافهم، ونحن إذ نقدم للعالم اليوم تاريخنا الصحيح الذي دونه أبناء عمان أنفسهم من خلال السير والجوبات، نحرص أشد الحرص على ربط ماضينا العريق بحاضرنا المتطور الناهض، وأن نستمد من تراثنا المجيد

ما يجعلنا ننهض بمسؤولياتنا الجسمية في عصرنا الحاضر وفي مستقبلنا الزاهر) (2). ومن مؤلفاتهم الحديثة كتاب "العقود الفضية في أصول الإباضية" والذي قدم له عدد علماء المذهب المحدثين منهم: الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري مفتي السلطنة السابق، والشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتي السلطنة الحالي وذلك عندما كان مديراً للشؤون الإسلامية، ومما جاء في تقدمته: (. .. . فقد أتاح لي القدر السعيد فرصة ذهبية للإطلاع

من

على السفر المسمى "العقود الفضية في أصول الإباضية " لمؤلفه العلامة الجليل أخينا الصالح الشيخ سالم بن حمد الحارثي، فوجدته وأيم الحق كتاباً جامعاً تنشرح به القلوب وتثلج له الصدور، قد كشف من حقائق هذا المذهب ما أرخى عليه الزمن ستوره، وأبرز من خباياه ما لم يصل إلى أدمغة الجم الغفير من طلاب الحقيقة، فجزاه الله عن جهده الواسع، وعمّا قدمه لأبناء الفكر الحر والرأي المنطلق أحسن جزاء).

هذا وقد قصدنا هنا من نقل هذين النصين قبل بيان فحوى ومضمون رسالة ابن إباض بيان أن المؤلفات التي وردت فيها تلك الرسالة هي من المراجع المعتمدة عند الإباضية وأن علماء هم المعاصرين راضون عن كل ما تضمنته من أصول وآراء، ومنها رسالة ابن إباض وما نقد لسيدنا عثمان (رضي الله عنه) والآن ننتقل إلى رسالة ابن إباض والتي بدأها بقوله:

تضمنته

من

الله

(بسم الله الرحمن الرحيم، صلى الله على سيدنا محمد، من عبد الله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان، سلام عليك، فاني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو وأوصيك بتقوى الله، فإن العاقبة للتقوى … ) ثم راح يعدد الأمور التي نقموها على عثمان رضي عنه، مستشهدا بنصوص من القرآن الكريم، فكان مما قال: (وإني أبين لك يا عبد الملك بن مروان الذي أنكر المؤمنون على عثمان وفارقناه عليه فيما استحل من المعاصي عسى أن تكون جاهلاً عنه غافلاً وأنت على دينه وهواه. … فكان عثمان أول من منع مساجد الله أن يقضى فيها بكتاب الله، ومما نقمنا عليه وفارقناه عليه أن الله قال لمحمد (صلى الله عيه وسلم): " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء، فتطردهم فتكون من الظالمين" (3) فكان أول رجل من هذه الأمة طردهم ونفاهم، وكان ممن نفى من المدينة أبو ذر الغفاري … ونفى من الكوفة كعب بن أبي الحنكة .... ولا أستطيع لك عدّ من نفاهم من المؤمنين، ومما نقمنا عليه أنه أمر أخاه الوليد بن عقبة على المؤمنين وكان يلعب بالسحرة ويصلي بالناس سكراناً، فاسق في دين الله أمره من أجل قرابته على المؤمنين، ومما نقمناه عليه تأميره قرابته على عباد الله وجعل المال دولة بين الأغنياء، وقال الله: "كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم" (4) وبدل كلام الله وبدل القول واتبع الهوى، ومما نقمناه عليه أنه انطلق إلى الأرض يحميها لنفسه وأهله حتى منع قطر السماء والرزق الذي أنزله الله لعباده لأنفسهم وأنعامهم، ومما نقمنا عليه أنه أول من تعدى في الصدقات .... الذي أحدثه عثمان منعه فرايض كان فرضها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وأنقص أصحاب بدر ألفاً ألفاً من عطاياهم، وكنز الذهب والفضة ولم ينفقها في سبيل الله … ومما نقمنا عليه أنه كان يضم كل ضالة إلى إبله ولا يردها ولا يعرفها، وكان يأخذها من الإبل والغنم إذ وجدها عند أحد من

25

24