الإباضية مذهب لا دين: دراسة تحليلية نقدية لنشأة الإباضية ولموقفهم من التعصب المذهبي هاني سليمان الطعيمات

الإباضية مذهب لا دين

الجزء ١ · صفحة ١٨

ويقصد بأهل الحق: الاباضية، فقد سمّوا أنفسهم بأهل الحق والاستقامة، وبأهل الدعوة وبجماعة المسلمين.

يبلغه من

وهذا أيضاً مهنا بن خلفان البوسعيدي من علماء الاباضية في القرن الثاني عشر الهجري، يبين في كتابه الباب الآثار ما يجب أن يكون عليه اعتقاد أهل مذهبه في الأحداث التي حصلت في زمن عثمان وعلي رضي الله عنهما، فقد قال: (مسألة: فيمن يقرأ من كتب المسلمين فيجد فيها صفة الأحداث التي تنسب إلى عثمان وعلي، كيف يكون اعتقاده فيهما؟ وكيف يكون اعتقاده فيما يجد في الكتب من ذلك؟ قال: إن كان لم الأحداث وشهرتها إلا ما يجده في الكتب فيعجبني أن يكون اعتقاده أنه يبرأ من أهل هذه الأحداث، وإن كانت مما تجب فيها البراءة، وأن يتولى المسلمين على براءتهم ممن برئوا منه، ولا يبرأ من أحد بعينه بما يجده في الكتب إلا أن تبلغه شهرة أحداثهم من تواتر الأخبار بما لا يرتاب فيه، فيتبرأ ممن توافرت الاخبار بحدث كفره منه بعينه) (29) وفي العصر الحاضر هذا أبو عبد الله سالم بن حمد الحارثي، في كتابه " العقود الفضية في أصول الاباضية"، والذي نوّهنا به سابقاً، يحاول أن ينهج منهجاً جديداً في تأييد ما يعتقده الإباضية في عثمان رضي الله عنه، فيعتمد على بعض الروايات التاريخية الواردة في كتب أهل السنة والجماعة، خاصة كتاب تاريخ الطبري لابن جرير، والكامل في التاريخ لابن الأثير، ويبدأ القصة فيقول: (قال ابن الأثير والطبري، وغيرهما من المؤرخين: أول ما تكلم الناس في عثمان أن أتم الصلاة بمنى وعرفة) (30).

ثم راح يذكر بعض الروايات التاريخية فيما أنتقد على عثمان (رضي الله عنه) إلى أن قال: وهذه فقرة أنقلها من ابن الأثير، وهي مطابقة لما في الطبري وغيره من كتب التاريخ المعتذرة لعثمان والمخطئة له، وأكتب ما اتفقوا عليه وأترك ما اختلفوا فيه) (31)

ونظراً لطول الفقرات = وليس الفقرة كما ذكر = التي نقلها من ابن الأثير، ولما في بعضها من إعادة للأمور المنتقدة على عثمان (رضي الله عنه أذكر هنا أهم ما دلت عليه

تلك الروايات:

1 - إنه في سنة أربع وثلاثين تكاتب نفر من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وغيرهم، بعضهم إلى بعض أن اقدموا إلينا، فإن الجهاد عندنا. أي في المدينة

عاصمة الخلافة.

2 - إن عثمان (رضي الله عنه) وبعد حوار بينه وبين علي كرم الله وجهه) كتب إلى ا من أهل الأمصار: أما بعد: فإني أخذ عُمالي بموافاتي في كل موسم، وقد رفع إلي أهل

المدينة أن أقواماً يُشتمون ويضربون، فمن ادعى شيئاً من ذلك فليواف الموسم، يأخذ حقه، حيث كان مني أو من عمالي، أو تصدقوا فإن الله يجزي المتصدقين.

3 - إن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قد عاتب عثمان لعدم أخذه بمشورته، واعتماده بدلاً من ذلك على مشورة مروان بن الحكم. وهو ليس بذي رأي في دينه ولا نفسه، وعزم علي بن أبي طالب بعد ذلك على عدم تكليم عثمان في هذا

الأمر.

-4 - إن من جملة القاتلين لعثمان مباشرة محمد بن أبي بكر، وأن عثمان بقي ثلاثة أيام لم يدفن حتى كلّم علي أن يدفن، فأذن في دفنه، فخرجوا به ليلاً، والناس يرجمونه بالحجارة، ولم يشيعه أحد من الصحابة، إنما خرج في جنازته ثلاثة من مواليه، ومروان وابنته، حتى دفن.

ثم بعد ذلك يعقب سالم الحارثي على الروايات التي نقلها من الكامل لابن الأثير بما يشعر أن الصحابة وفيهم (علي وطلحة والزبير رضوان الله عليهم، استحلوا قتل عثمان وحصره، وبعدها يتوجه بالتوبيخ لكل من يحاول أن يدفع عن الصحابة تهمة المشاركة في قتل عثمان، أو أن يتجرأ بالقدح في القاتلين لعثمان والمحاصرين له والراضين بذلك حيث قال: (وهنا وقفة مهمة، قد علمت ما حكاه العلامتان المحققان الثقتان ابن جرير الطبري وابن الأثير في الكامل وغيرهما من العلماء المنحازين إلى عثمان، وقد اتفق نقلهم مع الناقمين عليه على صحة الأحداث التي نقمها عليه إخوانه أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم منهم: جبلة بن عمرو الساعدي الأنصاري الأحدي، ورؤساء الخارجين من الأمصار كعبد الرحمن بن عديس الأحدي الشجري، وزيد بن صوحان، وحرقوص بن زهير، وما قاله الصحابة وفيهم علي وطلحة والزبير عن وجه استحلالهم قتله وحصره أربعين ليلة، وقيل: ثلاثة أشهر، وقد منعوه الطعام والشراب، وفي المدينة ما يزيد على مائة ألف من المهاجرين والأنصار، وتقتله شرذمة أقبلت من الخارج على ما قيل، ولا يدافعون عنه، ويدفن في غير مقابر المسلمين، وجيوش الصحابة تهزم فارس والروم، ويقتل أميرهم صبراً، ويقال: إنهم غير راضين أو مغلوبين على قتله، كل من تجرى على الصحابة وقال بغير الحقيقة وقدح في القاتلين والخارجين والمحاصرين والراضين، فقد أساء الأدب في حقهم، وحاول أن يغسل الغايط بالبول. فالسلامة السكوت لمن لا يستطيع أن يقول الحق ويترك أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم حيث أنزلهم الله، فيلزم منه نسبتهم إلى الخور والمداهنة، فلو حصل لرئيس يقتله أجانب وسط أهله وعشيرته وهم ينظرون لا ستحقوا الذم، فكيف بالصحابة الكرام. فإنه لا يحل أن يعتذر لشخص في سب آخرين. بعض يقول:

31

30