الإباضية مذهب لا دين: دراسة تحليلية نقدية لنشأة الإباضية ولموقفهم من التعصب المذهبي هاني سليمان الطعيمات

الإباضية مذهب لا دين

الجزء ١ · صفحة ٢٠

مراعاة صادقة لحرية الرأي والفكر واحترام كامل لجميع أئمة المسلمين وعلمائهم السابقين دون تهجم أو انتقاص ودون تقديس أو تعظيم) (42)

وهذا أيضاً مهني عمر التيوانجي، أحد كتابهم، يقول: (من المسلم به أن الكتابة عن الإباضية ليست وليدة اليوم، فالاباضية كمذهب إسلامي من أقدم المذاهب من الناحية التاريخية، حظي باهتمام المؤرخين وكتاب المقالات منذ أن بدأ التدوين، وقد تميزت دراسات هؤلاء بالسرد التاريخي، والطبيعة الوصفية، وللاباضية على هذه الكتابات مآخذ ومواقف لها ما يبررها وقد ظل اللاحق من المؤرخين ينقل عن السابق) (43).

والآن هل كان المؤرخون من الإباضية، والمعاصرون من كتاب المقالات منهم، منصفين في حكمهم على عثمان؟ وهل سلكوا المنهج الشرعي في ذلك؟ وهل كان رأيهم سبباً في توحيد كلمة المسلمين قديماً؟ وهل ما جاء في كتاب "العقود الفضية" وأمثاله، من إحياء للقديم، يسهم في تضييق الخلاف حديثاً؟ ثم هل سلك الإباضية المنهج العلمي فيما كتبوه

عن

أحداث الفتنة؟

عنه

لا أريد أن أتسرع بالإجابة فأطلق الحكم، وإنما أترك ذلك للقارئ الكريم، ولغيري من المنصفين منهم أو من غيرهم، ولكن بعد أن أبين ما أراه عليهم من مآخذ في هذه القضية أما عن المنهج الذي سلكوه في الكتابة عن أحداث الفتنة، فإن كتب التاريخ الاسلامي قد حوت تفاصيل الأحداث التي وقعت برواياتها المختلفة، وبالمقارنة بينها وبين ما كتبه الإباضية نجدهم قد اختاروا بعض الرويات دون غيرها، وهي التي تدين عثمان (رضي الله عنه) وتظهره كالمجرم في قفص الاتهام، وحيداً لا حجة له ولا مدافع.، ولا متأسف عليه، قتله أفرح المسلمين في المدينة، فرحهم بقدوم الخارجين عليه، المنقذين لهم. وإذا سلمنا جدلاً بأن عبد الله ابن إباض = وقد كتب في أحداث الفتنه إلى عبد الملك به مروان لم يكن على علم بتفاصيل الأحداث برواياتها المختلفة لعدم التدوين التاريخي، أو بأن ما كتبه قد تناقله الناقمون على عثمان بالراوية حتى وصل إليه، فإنه وبعد التدوين وظهور روايات أخرى يبقى وجهة نظر تحتمل الخطأ والصواب.

،

أقول إذا سلمنا بذلك بالنسبة إلى ابن إباض فهل كان كذلك مؤرخو الاباضية أمثال الوارجلاني والشماخي، ولنسلم جدلاً بأنهم كانوا كذلك، فهل أيضاً كان كذلك المعاصرون منهم من كتب في هذا الموضوع أو حاضر فيه؟ وقد صرحوا بأنهم رجعوا إلى تاريخ الطبري، والكامل في التاريخ لابن الأثير، والامامة والسياسية لابن قتيبة. إن عمل هؤلاء المعاصرين وهم يذكرون الروايات التاريخية التي يدعون اتفاق المؤرخين عليها أشبه ما يكون بعمل المخرج

وهو يعمل مقصه في الشريط السينمائي ليحذف منه المشاهد التي لا يريد أن تظهر في عمله لأجل أن يقدمه إلى جمهوره بصورة ترضيهم. لا أقول هذا عصبية، فلست من دعاتها، ولا أقوله تحاملاً عليهم، فإنني أكن لهم كل محبة وتقدير، وقد عشت بينهم ثلاث سنوات، وربطتني ببعضهم صداقات قبل ذلك، وكنت خلال تلك السنوات أدعو تلاميذي منهم ومن غيرهم إلى عدم المذهبية، وإذا كان لا بد من، مذهب، فلا تعصب ولا تقديس، نعم لا أقول هذا تعصباً ولا تحاملااً، وإنما أقوله عن دراسة ودراية، وفيما يلي ما يثبت ذلك: أولاً: اعتمدوا رواية ابن الأثير فى أن نفراً من الصحابة وغيرهم تكاتبوا بالقدوم إلى المدينة لأن الجهاد فيها، وادعا بعضهم أن هذه الرواية مطابقة لما في الطبري وغيره من كتب التاريخ، ولكن هل هذه الرواية محل اتفاق؟ وهل ثبت أن الصحابة تكاتبوا في ذلك؟ لنبدأ أولاً بما رواه ابن الأثير فهو أولاً قد ذكر الرواية في أحداث سنة أربع وثلاثين حيث قال: (في هذه السنة تكاتب نفر من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وغيرهم بعضهم إلى بعض أن اقدموا فإن الجهاد عندنا). (44) ثم أعاد ابن الأثير ذكر الرواية بصيغة التضعيف عند ذكر مقتل عثمان حيث قال: وقيل: كتب جمع من أهل المدينة من الصحابة وغيرهم إلى من بالآفاق منهم: إن أردتم الجهاد فهلموا إلينا) (45) أما ابن جرير الطبري فقد ذكر الرواية في تاريخة حيث قال: (وأما الواقدي فإنه زعم أن عبد الله بن محمد حدثه عن أبيه قال: لما كانت سنة أربع وثلاثين كتب أصحاب رسول الله بعضهم إلى بعض أن أقدموا، فإن كنتم تريدون الجهاد فعندنا الجهاد) (46). وبالرجوع إلى كتب التاريخ الأخرى نجد:

1 - أن ابن قتيبة في كتابه الإمامة والسياسة ينقل عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه نفيه كتابته شيء من ذلك، حيث قال: (وذكروا أن أهل مصر أقبلوا علي، فقالوا: ألم تر عدو الله ماذا كتب فينا؟ قم معنا إليه، فقد أحل الله دمه، فقال علي: لا والله لا أقوم معكم قالوا: فلم كتبت إلينا؟ قال علي: لا والله ما كتبت

إليكم كتاباً قط، فنظر بعضهم إلى بعض) (47).

2 - أن ابن كثير في البداية والنهاية، يذكر وقوع التزوير في ذلك على لسان الصحابة، فقد قال: تكاتب أهل مصر وأهل الكوفة وأهل البصرة وتراسلوا، وزورت كتب على لسان الصحابة الذين بالمدينة، وعلى لسان علي وطلحة والزبير، يدعون الناس إلى قتال عثمان ونصر الدين وأنه أكبر الجهاد اليوم) (48) ثم ينقل عن عائشة رضي الله عنها) إنكارها أن تكون كتبت شيئاً في ذلك، فقد قال: (قالت عائشة: غضبت

35

34