الإباضية مذهب لا دين: دراسة تحليلية نقدية لنشأة الإباضية ولموقفهم من التعصب المذهبي هاني سليمان الطعيمات

الإباضية مذهب لا دين

الجزء ١ · صفحة ٢٢

4 - وهذا الحافظ الذهبي في كتابه تاريخ الإسلام، يذكر الحادثة أيضاً، ومما قاله في ذلك: (فانطلقوا إلى عثمان، فقالوا: أكتبت فينا بكذا؟ فقال: إنما هما اثنان، تقيمون رجلين من المسلمين يعني شاهدين أو يميني بالله الذي لا إله الا هو ما كتبت ولا علمت، وقد يكتب الكتاب على لسان الرجل وينقش الخاتم، فقالوا: قد أحل الله دمك، ونقض العهد والميثاق، وحصروه في القصر) (53)

-5 - وأخيراً وقبل هؤلاء المؤرخين، هذا ابن جرير الطبري في تاريخ الرسل والملوك يعرض للحادثة بايجاز ويذكر إنكار عثمان علمه بالكتاب (54)

وهكذا تكون الروايات التاريخية قد اتفقت على نفي علم عثمان بأمر قد نقمه عليه الخارجون عليه، ولكن مع ذلك لا نجد صاحب كتاب العقود الفضية، ولا غيره من المعاصرين يتعرض ولو باشارة إلى هذا الأمر، والسبب في ذلك واضح، وهو أن هذه الروايات تهدم أمراً من الأمور التي نقمها قدامى الإباضية على عثمان، وسوّغوا لأجلها ما حلّ به. وإذا كان سيدنا عثمان لم يثبت عنه صدور الأمر بقتل محمد بن أبي بكر ومن معه من أهل. مصر فكيف يحمل مسؤوليته؟ وعلى فرض صدروه عنه فهل وقع القتل فعلاً حتى يؤاخذ القاتل والأمر بذلك؟ أم أنه لم يقع؟ وهل مجرد الأمر بالقتل ولم يحصل القتل، يوجب القصاص في الشرع؟ ثم هل سيدنا عثمان هو الأول أم الأخير من الحكام الذين استغل خاتمهم فيما لا علم لهم به مما لا يرضيهم؟ وحين يقع ذلك فهل يحاسب على ذلك المستغل أم الذي استغل الخاتم واسم الخليفة

ثالثاً: أغفل الاباضية القدامى منهم والمحدثون على حد سواء، ذكر الرواية التاريخية التي تثبت دور ابن سبأ اليهودي في الفتنة التي حصلت، بتنقله في بلدان المسلمين وتأليبه الناس على عثمان (رضي الله عنه، فقد جاء في تاريخ الطبري في أحداث سنة خمس وثلاثين: ذكر مسير من سار إلى ذي خشب من أهل مصر وسبب مسير من سار إلى ذي المروة من أهل العراق، فيما كتب به إليّ السّري، عن شعيب، عن سيف، عن عطية، عن يزيد الفقعسي، قال: كان عبد الله بن سبأ يهودياً من أهل صنعاء، أمه سوداء، فأسلم زمان عثمان، ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم، فبدأ بالحجاز، ثم البصرة، ثم الكوفة، ثم الشام، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام، فأخرجوه حتى أتى مصر، فاعتمر فيهم، فقال لهم فيما يقول: لعجب ممن يزعم أن عيسى يرجع، ويكذب بأن محمداً يرجع، وقد قال الله عز وجل: (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد) (55)، أحمد أحق بالرجوع من عيسى. قال: فقبل ذلك عنه، ووضع لهم الرجعة، فتكلموا فيها،

ثم قال لهم بعد ذلك: إنه كان ألف نبي، ولكل نبي وصي، وكان علي وصي محمد، لم قال: محمد خاتم الأنبياء، وعلي خاتم الأوصياء، ثم قال بعد ذلك: من أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ووثب على وصي رسول الله، وتناول أمر الأمة، ثم قال لهم بعد ذلك: إن عثمان أخذها بغير حق، وهذا وصي رسول الله، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تستميلوا الناس، وادعوهم إلى هذا الأمر.

فبث دعاته، وكاتب من كان استفسد في الأمصار وكاتبوه، ودعوا في السر إلى ما عليه رأيهم، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعلوا يكتبون إلى الأمصار بكتب يضعونها في عيوب ولا تهم، ويكاتبهم إخوانهم بمثل ذلك، ويكتب أهل كل مصر منهم إلى مصر أخر بما يصنعون، فيقرؤه أولئك في أمصارهم وهؤلاء في أمصارهم، حتى تناولوا بذلك المدينة، وأوسعوا الأرض إذاعة، وهم يريدون غير ما يظهرون، ويسرون غير ما يبدون، فيقول أهل كل مصر: إنا لفي عافية مما ابتلى به هؤلاء إلا أهل المدينة فإنهم جاءهم ذلك عن جميع الأمصار، فقالوا، فقالوا إنا لفي عافية مما فيه الناس) (56). وقد وردت هذه الرواية أيضاً في الكامل لابن الأثير (57)، وفي البداية والنهاية لابن كثير (58) وبألفاظ متقاربة. وعدم ذكر الإباضية لهذه الرواية يرجع في اعتقادي إلى ما يرونه في الخارجين على عليّ وقبله على عثمان، "من" أنهم نبتة إسلامية أصيلة، لم تتأثر بؤثر خارجي، فهم من الذين أسلموا بصدق، ولم يندس بينهم غاضب ولا فتان" (59). نعم قد يكون منهم من كانت هذه حاله، واشتراكه في الأحداث كان بحسن نية أو بتأويل، ولكن هذا لا يمنع من وجود مغرضين بينهم، اشتركوا في الأحداث لتحقيق مارب، ومنافع شخصية أو قبلية، ومن وجود مندسين قصدوا إفساد الأمة وإيقاع الفتنة بين أبنائها. وإن من ينكر هذا يكون شأنه شأن من ينكر دور أعداء الأمة في العصر الحاضر في تفريق كلمة الأمة وإفساد دينها عليها

يقول الإمام محمد أبو زهرة في بيان أسباب الفتنة في عهد سيدنا عثمان: (ومن الأسباب -وهو أعظمها وجود طوائف من الناقمين على الاسلام، الذين يكيدون لأهله، ويعيشون في ظله، وكان أولئك يلبسون لباس الغيرة على الإسلام، وقد دخلوا في الإسلام ظاهراً وأضمروا الكفر باطناً، فأخذوا يشيعون السوء عن ذي النورين عثمان، ويذكرون علي بن أبي طالب بالخير، وينشرون روح النقمة في البلاد ويتخذون مما يفعله بعض الولاة ذريعة لدعايتهم. وكان الطاغوت الأكبر لهؤلاء (عبد الله بن سبأ) (60).

39

38