الإباضية مذهب لا دين: دراسة تحليلية نقدية لنشأة الإباضية ولموقفهم من التعصب المذهبي هاني سليمان الطعيمات

الإباضية مذهب لا دين

الجزء ١ · صفحة ٢٣

ومما يدل على وجود مغرضين ومندسين من بين أهل الأمصار الخارجين على عثمان مجريات الأحداث التي أشارت إليها الروايات التاريخية، ويكفينا للتدليل على صحة ما نقول أن نشير إلى ثلاثة أحداث، اثنين منها عند اجتماع أهل الأمصار قبل مقتل عثمان،

والثالث بعد مقتل عثمان

مصر

أما عن الحدث الأول فقد ذكر ابن جرير الطبري في تاريخه (61)، وابن كثير في البداية والنهاية (62)، خروج أهل سنة خمس وثلاثين قاصدين عثمان في المدينة لعزله وتولية آخر مكانه فأهل مصر خرجوا في أربع فرق على أربعة أمراء وعليهم جميعاً الغافقي بن حرب العلّي، وقد خرجوا مظهرين للناس أنهم يقصدون الحج لا الحرب، ومعهم ابن سبأ اليهودي، وكانوا يريدون تولية علي بن أبي طالب بدل عثمان رضي الله عنهما. وخرج أهل الكوفة في أربع فرق أيضاً وعددهم كعدد أهل مصر، وعليهم عمرو بن الأصم ويريدون تولية الزبير. وخرج أهل البصرة على مثل ذلك العدد وعليهم حرقوص بن زهير السعدي ويريدون

تولية طلحة.

وكان أهل كل بلد يأملون تحقيق ما يقصدون دون غيرهم. يقول ابن جرير الطبري: (فأما أهل مصر فإنهم كانوا يشتهون علياً، وأما أهل البصرة فإنهم كانوا يشتهون طلحة، وأما أهل الكوفة فإنهم كانوا يشتهون الزبير، فخرجوا وهم على الخروج جميع وفي الناس شتى، لا تشك كل فرقة إلا أن الفلج معها أي الظفر والفوز - وأن أمرها سيتم دون الأخريين) (63) وسار أهل كل بلد حتى وصلوا جميعاً أطراف المدينة في شهر شوال، كما تواعدوا، فنزل طائفة منهم وهم أهل البصرة بذي خُشب، ونزلت طائفة بالأغوص وهم أهل الكوفة ومعهم ناس من أهل مصر، ونزلت طائفة بذي المروة وكانوا جميعاً على خوف من أهل المدينة، فبعثوا عيوناً بين أيديهم، ليستأذنوا لهم بدخول المدينة وليخبروا أهلها أنهم إنما جاءوا للحج لا لغيره، وليستعفوا عثمان عن بعض عماله. وفي خبر ذلك يقول ابن جرير: (ومشى فيما بين أهل مصر وأهل البصرة زياد بن النضر وعبد الله بن الأصم، وقالا: لا تُعجلوا ولا تعجلونا حتى ندخل لكم المدينة ونرتاد، فإنه بلغنا أنهم قد عسكروا لنا، فو لله إن كان أهل المدينة قد خافونا واستحلوا قتالنا ولم يعلموا علمنا فهم إذا علموا علمنا أشد وإن أمرنا هذا

لباطل، وإن لم يستحلوا قتالنا ووجدنا الذي بلغنا باطلا لترجعن إليكم بالخبر. قالوا: اذهبا. فدخل الرجلان فلقيا أزواج النبي (صلى الله عليه وسلم وعليا وطلحة والزبير، وقالا: إنما نأتم هذا البيت، ونستعفي هذا الوالي من بعض عمالنا، ما جئنا الا لذلك، واستأذناهم للناس بالدخول، فكلهم أبى و نهي وقال: بيض ما يُفرحن (64).

،

وبعد ذلك

رجع الرجلان إلى قومهما، ومع رفض أهل المدينة دخول القوم عليهم إلا أن

القوم تجاسروا واقتربوا من المدينة وجاءت طائفة من المصريين إلى علي وهو في عسكر عند أحجاز الزيت، وقد أرسل ابنيه الحسن والحسين إلى عثمان فسلموا عليه فصاح بهم وطردهم وقال: لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة وذي خشب ملعونون على لسان محمد (صلي الله عليه وسلم، فارجعوا لاصبحكم الله، قالوا: نعم، وانصرفوا من عنده على ذلك، وأتى البصريون طلحة وهو في جماعة أخرى إلى جنب علي، وقد أرسل ابنيه إلى عثمان، فسلموا مصر، وكذلك كان رد الزبير على عليه فصاح بهم وطردهم وقال لهم كما قال علي لأهل أهل الكوفة. والآن وبعد هذه التفاصيل نتساءل على أي شيء تدل الأمور التالية؟ -1 إخفاء أهل كل بلد لقصدهم عن الناس في بلدهم، وإظهارهم لهم أنهم يريدون الحج لا غير، وإظهار الجميع لأهل المدينة أنهم يرودون الحج والطلب من عثمان إعفاءهم من بعض عماله عليهم.

2 - إخفاء أهل كل بلد من يقصدون توليته في حال أن تم لهم ما أرادوا من عزل لعثمان وعزمهم على الكيد للآخرين إن لم يبايعوا صاحبهم الذي يريدون.

-3 رد علي وطلحة والزبير من قصدهم من أهل كل بلد وإغلاظهم القول لهم، وقول الناس لهم: بيض ما يُفرحن. إنها تدل فيما تدل على أن لكل طائفة من الخارجين مآربهم الشخصية التي يريدون تحقيقها، وعلى علمهم بأن المسلمين في الأمصار الاسلامية وفي المدينة لن يوافقوهم على ما يريدون من خلع لعثمان وتولية آخر مكانه. يقول الدكتور عوض خليفات: (ويبدو أن الثورة على عثمان لم تكن ثورة دينية بحتة، كما أنها لم تكن موجهة ضد شخص عثمان بالذات، وإنما ضد الخليفة كائناً. كان، لقد كانت ثورة القبائل العربية ضد قريش لاستئثارها بالسلطة والمال. وهي أيضاً ثورة المقاتلة ضد السياسة المالية التي انتهجها عمر بن الخطاب وسار عليها عثمان، وهي بالتالي ثورة الأمصار

ضد سلطة الحجاز والمدينة (65)

من

أما عن الحدث الثاني فبعد أن أظهر أهل مصر والكوفة والبصرة للناس من أهل المدينة أنهم راجعون إلى بلدانهم وساروا أياماً راجعين تفرق أهل المدينة ممن كان قد عسكر حولها لمنعهم من الدخول إليها، فما مضى وقت غير قليل حتى سمع أهل المدنية التكبير، وإذا القوم قد زحفوا ثانية على المدينة وأحاطوا بها، وجمهورهم عند دار عثمان، وقالوا للناس:

41

40