الإباضية مذهب لا دين
الجزء ١ · صفحة ٢٤1
من كف يده فهو آمن، فكف الناس ولزموا بيوتهم، وأقام الناس على ذلك أياماً، هذا كله ولا يدري الناس ما القوم صانعون، ولا على ماهم عازمون، فأتاهم الناس فكلموهم، وفيهم علي، فقال: ما ردكم بعد ذهابكم ورجوعكم عن رأيكم؟ قالوا: وجدنا مع البريد كتاباً بقتلنا، وأخبروهم بخبر الكتاب وما اشتمل عليه
وقال الكوفيون والبصريون: نحن ننصر إخواننا من أهل مصر ونمنعهم جميعاً. فقال لهم علي: كيف علمتم يا أهل الكوفة ويا أهل البصرة بما لقي أهل مصر، وقد سرتم مراحل، ثم طويتم نحونا؟ هذا والله أمر أبرم بالمدينة! قالوا: فضعوه على ما شئتم، لا حاجة لنا في هذا
الرجل، ليعتز لنا. (66)
مصر
وعندما كلم الناس عثمان بشأن الكتاب، حلف بالله أنه ما كتب ولا علم = كما بينا ذلك سابقاً = فصدقه الصحابة، وكذبه أهل قائلين له: (فلسنا منصرفين حتى نعزلك. ونستبدل بك، فإن حال من معك من قومك وذوي رحمك وأهل الانقطاع إليك دونك بقتال، قاتلناهم حتى نخلص إليك، فنقتلك أو تلحق أرواحنا بالله) (67).
والآن أليس في سؤال علي لهم وردهم عليه، وتعليقه على ذلك، وتكذيبهم لعثمان وقد صدقه كبار الصحابة، وإصرارهم على أن يعزل نفسه وإلا قتلوه، دلالة على أنهم نبتة يشك في أصالتها؟
وأما عن الحدث الثالث، فما ذكره ابن جرير (68) وابن الأثير (69) وابن كثير (70) من أن القوم بعد أن قتلوا عثمان نهبوا ما في بيته من مال، حتى أخذ رجل منهم واسمه "كلثوم التجيبي" ملاءة من على "نائلة" زوجة عثمان، فضربه غلام لعثمان فقتله، فاجتمعوا على الغلام فقتلوه، وعندما كانوا في صدر عثمان وقد أغلقوا على عثمان الباب، تنادوا فيما بينهم: أن أدركوا بيت المال ولا تسبقوا إليه، فسمعهم حفظة بيت المال وليس فيه إلا غرارتان، فقالوا: النجاة، فإن القوم إنما يحاولون الدنيا، فهربوا، وأتى القوم بيت المال
فانتهبوه.
ويكفينا في التعقيب على هذا الحدث قول ابن كثير: فإن هؤلاء القوم لم يصدقوا فيما قالوا من أن قصدهم قيام الحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك مما ادعوا أنهم إنما قاموا لأجله، وكذبوا إنما قصدهم الدنيا) (71).
وقد يقول قائل من أنصار القوم والمدافعين عنهم: إن مثل هذه الحوادث ملفقة،، وهي من قبيل التشويش على المدافعين عن الحق وعن تعاليم الإسلام، الأمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.
أقول: قد يكون الأمر كذلك، ولكن نحن المعاصرين، ولم نكن في قلب الأحداث، إنما نحكم عليها من خلال رواياتها التاريخية، وأنتم معشر أنصار القوم والمدافعين عنهم لم تذكروا في مصادركم التاريخية هذه الحوادث لا بنفي أو إثبات، وقد جاء في مصادرنا ما يثبتها، ولم يأت ما ينفيها. فيغلب على الظن صدقها. ثم ما بالكم تثقون بمصادرنا التاريخية فيما يوافق ما عندكم من روايات، وتشككون فيها فيما عدا ذلك. رابعاً: لقد نسب صاحب كتاب العقود الفضية إلى الصحابة وفيهم علي وطلحة والزبير استحلالهم قتل عثمان وحصره، وذكر أن من جملة القاتلين محمد بن أبي بكر (72)، فهل الأمر كما قال، وقد اعتمد في سرده لأحداث الفتنة على تاريخ الطبري والكامل لابن الأثير؟ وهل ما جاء فيهما وفي غيرهما يؤكد ما ذهب إليه هو وغيره ممن كتب في الموضوع؟ لنبين ذلك ونبدأ ببيان موقف علي وطلحة والزبير ومحمد بن أبي بكر، وكما يلي: أ- تقدمت الاشارة إلى أنه عندما قدم أهل مصر ومن معهم إلى المدينة، أرسل الصحابة علي وطلحة والزبير، رضوان الله عليهم أولادهم إلى عثمان لحمايته من أن يصل إليه هؤلاء القوم، وهنا أنقل ما جاء في تاريخ الطبري وفيه قال ابن جرير: فاجتمع من أهل مصر نفر فأتوا علياً، ومن أهل البصرة نفر فأتوا طلحة، ومن أهل الكوفة نفر فأتوا الزبير، وقال كل فريق منهم إن بايعوا صاحبنا وإلا كدناهم وفرقنا جماعتهم، ثم كررنا حتى نبغتهم، فأتى المصريون علياً وهو في عسكر عند أحجار الزيت، عليه حلة أفواف = قطن معمم بشقيقة حمراء يمانيه، متقلد السيف، ليس عليه قميص، وقد سرح الحسن إلى عثمان فيمن اجتمع إليه، فالحسن جالس عند عثمان وعلي عند أحجار الزيت، فسلم عليه المصريون وعرضوا له، فصاح بهم واطردهم، وقال: لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة وذي خُشب ملعونون على لسان محمد (صلى الله عليه وسلم) فارجعوا لاصحبكم الله، قالوا: نعم، فانصرفوا من عنده على ذلك، وأتى البصريون طلحة وهو في جماعة أخرى إلى جنب علي، وقد أرسل ابنيه إلى عثمان، فسلموا عليه، وعرّضوا له، فصاح بهم وطردهم، وقال: لقد علم المؤمنون أن جيش ذي المروة وذي خشب والأعوص ملعونون على لسان محمد (صلى الله عليه وسلم). وأتى الكوفيون الزبير وهو في جماعة أخرى، وقد سرح ابنه عبد الله إلى عثمان، فسلموا عليه وعرضوا له، فصاح بهم وأطردهم
(73) ( ..
43
42