الإباضية مذهب لا دين
الجزء ١ · صفحة ٢٥فإذا كان هؤلاء الصحابة الكرام يرون استحلال قتل عثمان فكيف يطردون من قصدهم لفعل ذلك؟ بل كيف يرسلون أبناءهم للدفاع عنه ومنع من قصد قتله من الوصول
إليه؟
ب- عندما اشتد الحصار على عثمان، ومنع الحاصرون عنه الماء والطعام، أرسل عثمان إلى الصحابة بالخبر، فكان أولهم إنجادا له بإرسال الماء علي وأم حبيبة زوج النبي (صلى الله عليه وسلم والرواية موجودة في تاريخ الطبري، وفي الكامل لابن الأثير، وأيضاً هنا أذكر رواية الطبري، وفي ذلك يقول: ( ..... وأشرف عثمان على آل حزم وهم جيرانه، فسرح ابناً لعمرو إلى علي بأنهم قد منعونا الماء، فإن قدرتم أن ترسلوا إلينا شيئاً من الماء فافعلوا وإلى طلحة وإلى الزبير، وإلى عائشة (رضي الله عنها) وأزواج النبي (صلى الله عليه وسلم فكان أولهم إنجاداً له على وأم حبيبة، جاء علي في الغلس، فقال: أيها الناس، إن الذي تصنعون لا يشبه أمر المؤمنين ولا أمر الكافرين، لا تقطعوا عن هذا الرجل المادة، فإن الروم وفارس لتأسر فتطعم وتسقي، وما تعرض لكم هذا الرجل فيم تستحلون حصره وقتله! قالوا: (لا والله ولا نعمة عين، لا نتركه يأكل ولا يشرب، فرمى بعمامته في الدار بأني قد نهضت فيما أنهضتني، فرجع. وجاءت أم حبيبة على بغله لها برحالة مشتملة على إداوة، فقيل: أم المؤمنين أم حبيبة، فضربوا وجه بغلتها، فقالت: إن وصايا بني أمية إلى هذا الرجل، فأحببت أن ألقاه فأسأله عن ذلك كيلا تهلك أموال أيتام وأرامل. قالوا: كاذبة، وأهووا لها وقطعوا حبل البغلة بالسيف، فندت بأم حبيبة، فتلقاها الناس، وقد مالت رحالتها، فتعلقوا بها وأخذوها، وقد كادت تقتل، فذهبوا بها إلى بيتها. وتجهزت عائشة خارجة إلى الحج هاربة، واستتبعت أخاها، فأبى فقالت أما والله لئن استطعت أن يحرمهم الله ما يحاولون لأفعلن.
وجاء حنظلة الكاتب حتى قام على محمد بن أبي بكر، فقال يا محمد، تستبعك أم المؤمنين فلا تتبعها، وتدعوك ذوبان العرب إلى مالا يحلّ فتتبعهم، فقال: ما أنت وذاك يا ابن التميمية فقال ابن الخثعمية: إن هذا الأمر إن صار إلى التغالب غلبتك عليه بنو عبد مناف، وانصرف ولحق بالكوفة وخرجت عائشة ممتلئة غيظاً على أهل مصر، وجاءها مروان بن الحاكم فقال: يا أم المؤمنين، لو أقمت كان أجدر أن يراقبوا هذا الرجل، فقالت: أتريد أن يصنع بي كما صنع بأم حبيبة، ثم لا أجد من يمنعني لا والله ولا أعير ولا أدري إلا من يسلم أم هؤلاء وبلغ طلحة والزبير ما لقي علي وأم حبيبة، فلزموا بيوتهم، وبقي عثمان يسقيه آل حزم في الغفلات) (74).
وجاء في الإمامة والسياسة: (ثم انصرف عثمان وبعث إلى علي يخبره أنه منع من الماء، ويستغيث به، فبعث إليه علي ثلاث قرب مملوءة ماء، فما كادت تصل إليه) (75) وهكذا فإن علي ومن ذكر معه لم يكونوا مع الحاصرين، ثم إن من يريد قتل آخر ويحاصره، هل يرسل له بالماء؟ وما أجمل قول على لأولئك الحاصرين: إن الذي تصنعون لا يشبه أمر المؤمنين ولا أمر الكافرين. نعم إن ما صنعوه بعثمان وما فعلوه بأم حبيبة زوجة النبي (صلى الله عليه وسلم) لا يشبه أمر المؤمنين، ولا يتفق وأدنى قواعد الانسانية، وإن من يقرأ الطريقة التي قتلوا بها عثمان يقشعر بدنه، لكنها لم تحرك ساكناً في وجدان القوم الخارجين، ولا في وجدان المدافعين عنهم، بل راحوا يصفونهم بأنهم نبتة اسلامية أصيلة وأن ما فعلوه كان حقاً، وإنقاذاً لروح الإسلام من أن ينتهكها عثمان! عجباً لحال القوم وهم يصفون أنفسهم بأنهم أهل الحق والاستقامة! فأين هو الحق وأين هي الاستقامة في هذا الأمر؟ هنالك روايات جاءت في تاريخ الطبري وغيره من كتب التاريخ، تدل صراحة على عدم اشتراكهم في قتل عثمان، لا بالتحريض ولا بغيره، فقد جاء في البداية والنهاية لابن كثير: وقال أبو هلال عن قتادة عن الحسن. قال: قتل عثمان وعلي غائب في أرض له، فلما بلغه قال: اللهم إني لم أرض ولم أمالئ. وروى الربيع بن برد عن سيار بن سلامة عن أبي العالية: أن علياً دخل على عثمان فوقع عليه وجعل يبكي حتى ظنوا أنه سيلحق به. وقال الثوري وغيره عن ليث عن طاووس وعن ابن عباس قال علي يوم قتل عثمان: والله ما قتلت ولا أمرت ولكني غلبت. وقال حبيب بن أبي العالية عن مجاهد عن ابن عباس، قال: قال علي إن شاء الناس حلفت لهم عند مقام إبراهيم بالله ما قتلت عثمان ولا أمرت بقتله، ولقد نهيتهم فعصوني، وعن ميس بن عباد قال: سمعت علياً يوم الجمل يقول" الله إني أبرأ إليك من دم عثمان، ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان، وأنكرت نفسي وجاءوني للبيعة فقلت: والله إني لأستحي من الله أن أبايع قوماً قتلوا رجلاً قال فيه رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (إني لأستحي ممن تستحي منه الملائكة وإني لأستحي من الله أن أبايع وعثمان قتيل في الأرض لم يدفن بعد، وقد اعتنى الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر بجمع الطرق الواردة عن علي أنه تبرأ من دم عثمان، وكان يقسم على ذلك في خطبه وغيرها أنه لم يقتله ولا أمر بقتله ولا مالاً ولا رضي به، ولقد نهى عنه فلم يسمعوا منه. ثبت ذلك عنه من طرق تفيد القطع عند كثير من أئمة الحديث) (76).
45
44