الإباضية مذهب لا دين
الجزء ١ · صفحة ٢٦عن
وعندما اجتمع الناس لمبايعة علي بن أبي طالب في صبيحة اليوم التالي لمقتل عثمان دفع طلحة والزبير عن نفسيهما تهمه اشتراكهما في قتله وفي ذلك يقول ابن قتيبة: (وذكروا أنه لما كان في الصباح اجتمع الناس في المسجد، وكثر الندم والتأسف على عثمان رحمه الله، وسقط في أيديهم وأكثر الناس على طلحة والزبير واتهموهما بقتل عثمان، فقال الناس لهما، أيها الرجلان، قد وقعتما في أمر عثمان، فخليا أنفسكما طلحة فحمد الله، فقام وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنا والله ما نقول اليوم إلا ما قلناه أمس، إن عثمان خلط الذنب بالتوبة، حتى كرهنا ولايته وكرهنا أن نقتله وسرنا أن نكفاه، وقد كثر فيه اللجاج، وأمره إلى الله، ثم قام الزبير فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال أيها الناس إن الله قد رضي لكم الشورى، فأذهب بها الهوى، وقد تشارونا فرضينا علياً فبايعوه، وأما قتل عثمان فأنا نقول فيه إن أمره إلى الله، وقد أحدث أحداثاً والله وليه فيما كان) (77)
•
وكانوا قبل ذلك عندما بلغهم خبر مقتل عثمان قد ترحموا عليه، وسخطوا على قاتليه ودعوا عليهم، وجاء ذلك في تاريخ الطبري، وفي البداية والنهاية وفيه قال ابن كثير: (ولما بلغ الزبير مقتل عثمان، وكان قد خرج من المدينة، قال: إن لله وإنا إليه راجعون، ثم ترحم على عثمان، وبلغه أن الذين قتلوه ندموا فقال: تباً لهم، ثم تلا قوله تعالى: (ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون) (78) وبلغ علياً قتله فترحم عليه. وسمع بندم الذين قتلوه فتلا قوله تعالى: (كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين) (79).
ولما بلغ سعد بن أبي وقاص قتل عثمان استغفر له وترحم عليه، وتلا في حق الذين قتلوه (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً) (80) ثم قال سعد: اللهم أندمهم ثم خذهم. وقد أقسم بعض السلف بالله إنه ما مات أحد قتلة عثمان إلا مقتولاً) (81)
من
د اضطربت الرواية في تاريخ الطبري بشأن دور محمد بن أبي بكر في مقتل عثمان، ففي رواية أنه لم يشترك في قتله، وفي رواية أخرى أنه قد اشترك في قتله (82). والراويتان ذكرهما ابن الأثير، غير أنه رجح رواية عدم الاشتراك في القتل، وهو ما رجحه ابن كثير. ففي الكامل قال ابن الأثير: وكان آخر من دخل عليه ممن رجع محمد بن أبي بكر فقال له عثمان: ويلك أعلى الله تغضب؟ هل لي إليك جرم إلا حقه أخذته منك؟ فأخذ محمد لحيته، وقال قد أخزاك الله يا نعثل، فقال: لست نعثلاً ولكني عثمان وأمير المؤمنين وكانوا يلقبونه عثمان. فقال محمد: ما أغنى عنك معاوية، وفلان وفلان، فقال
الله
عثمان يا ابن أخي، فما كان أبوك ليقبض عليها، فقال محمد: لو رأك أبي تعمل هذه الأعمال أنكرها عليك، والذي أريد بك أشد من قبضي عليها، فقال عثمان: استنصر عليك، واستعين به، فتركه وخرج، وقيل: بل طعن جبينه بمشقص كان في يده والأول أصح) (83).
وفي البداية والنهاية قال ابن كثير: ويروى أن محمد بن أبي بكر طعنه بمشاقص في أذنه حتى دخلت في حلقه، والصحيح أن الذي فعل ذلك غيره، وأنه استحى ورجع حين قال له عثمان: لقد أخذت بلحية كان أبوك يكرمها، فتذم من ذلك وغطى وجهه ورجع وحاجز دونه، فلم يفد وكان أمر الله قدراً مقدوراً، وكان ذلك في الكتاب مسطوراً) (84) وجاء في الإمامة والسياسة ما يؤكد ترجيح الرواية بعدم القتل فقد قال ابن قتيبة: (جاء علي إلى امرأة عثمان فقال لها: من قتل عثمان؟ قالت: لا أدري دخل عليه رجال لا أعرفهم إلا أن أرى وجوههم، وكان معهم محمد بن أبي بكر، فدعا علي محمداً، فسأله عما ذكرت امرأة عثمان، فقال محمد: صدقت، قد والله دخلت عليه، فذكر لي أبي، فقمت عنه، وأنا تائب إلى الله تعالى، والله ما قتلته، ولا أمسكته، فقالت: صدق ولكن هو أدخلهم) (85).
والآن أين هذه الروايات مما نسبه صاحب كتاب العقود الفضية وغيره إلى أولئك الصحابة؟ ألم يطلع على هذه الروايات؟ إنني أجزم بأنه قد اطلع عليها، فما بعد الاعتراف دليل، وقد اعترف برجوعه إلى تاريخ الطبري والكامل في التاريخ وغيرهما من مراجع أهل السنة والجماعة ولكن يبدو أن مقصه قد سبق قلمه، وتعصبه أفقده أمانه البحث العلمي. وأما الصحابة الآخرون ممن شهد منهم حصار عثمان فإن الروايات التاريخية تدل على أنهم قد هبوا لنصرته ومنعه ممن أرادوا قتله بقتالهم إلا أن إصرار عثمان عليهم بالاً يقاتلوا حرصاً منه على ألا يكون سبباً في إراقة دم المسلمين، قد حملهم على التباطؤ خاصة وأنه قد عاين أجله المحتوم فاستسلم لقضاء الله وقدره، ولندع ابن قتيبة يحدثنا عن ذلك فقد قال بعد أن ذكر حصار أهل. مصر والكوفة لدار عثمان: فبينما هم كذلك، إذ أتاهم أن فقال لهم. إن معاوية قد بعث من الشام يزيد بن أسيد مدداً لعثمان في أربعة آلاف من خيل الشام، فاصنعوا ما أنتم صانعون، وإلا فانصرفوا، وكان معه في الدار مئة رجل ينصرونه منهم بن الزبير، ومروان بن الحكم والحسن بن علي، وعبد الله بن سلام، وأبو هريرة، فلما سمع القوم إقبال أهل الشام. قاموا فألهبوا النار بباب عثمان، فلما نظر أهل الدار إلى النار. نصبوا للقتال وتهيئوا، فكره ذلك عثمان، قال لا أريد أن تهراق في محجمة دم =
عبد الله
47
46