الإباضية مذهب لا دين
الجزء ١ · صفحة ٢٧أي دم قليل وقال لجميع من في الدار: أنتم في حل من بيعتي، لا أحب أن يقتل في
أحد) (86).
وهذا أيضاً ابن كثير يقول في ذلك: كان الحصار مستمراً من أواخر ذي القعدة إلى يوم الجمعة الثامن عشر من ذي الحجة، فلما كان قبل ذلك بيوم، قال عثمان للذين عنده في الدار من المهاجرين والانصار وكانوا قريباً من سبعمائة، فيهم عبدالله بن عمر وعبدالله بن الزبير والحسن والحسين ومروان وأبو هريره، وخلق من مواليه، ولو تركهم لمنعوه فقال لهم: أقسم على من لي عليه حق أن يكف يده وأن ينطلق إلى منزله، وعنده من أعيان الصحابة وأبنائهم جم غفير، وقال لرقيقه: من أغمد سيفه فهو حر. فبرد القتال من داخل، وحمى من خارج، واشتد الأمر، وكان سبب ذلك أن عثمان رأى في المنام رؤيا دلت على اقتراب أجله فاستسلم لأمر الله رجاء موعوده … قال أبو جعفر الداري عن أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر: إن عثمان (رضي الله عنه أصبح يحدث الناس، قال: رأيت النبي (صلى الله عليه وسلم في المنام فقال: "يا عثمان أفطر عندنا "فأصبح صائماً وقتل من .. وقال أبو يعلي الموصلي وعبدالله بن الامام أحمد: حدثني عثمان بن أبي شيبة حدثنا يونس بن أبي يعفور العبدي عن أبيه عن مسلم أبي سعيد مولى عثمان بن عفان أن عثمان أعتق عشرين مملوكاً ودعا بسراويل فشدها ولم يلبسها في جاهلية ولا إسلام، وقال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وأبا بكر وعثمان، وأنهم قالوا لي: اصبر فإنك تفطر عندنا القابلة، ثم دعا بمصحف فنشره بين يديه فقتل وهو بين يديه. قلت: إنما لبس السراويل في هذا اليوم لئلا تبدو عورته إذا قتل فإنه كان شديد الحياء، كانت تستحي منه ملائكة السماء، كما نطق بذلك النبي (صلى الله عليه وسلم) ووضع بين يديه المصحف يتلو فيه، واستسلم لقضاء الله عز وجل، وكف يده عن القتال، وأمر الناس وعزم عليهم أن لا يقالتوا دونه، ولولا عزيمته عليهم لنصروه من أعدائه، ولكن كان أمر الله قدراً مقدروراً) (87)
يومه،
وأيضاً جاء في تاريخ الطبري (88)، وفي الكامل لابن الاثير، وفي تاريخ الاسلام للحافظ الذهبي (90)، روايات مطابقة لما ذكره ابن قتيبة وابن كثير
هذا من جانب، ومن جانب أخر فإن ابن كثير وبعد أن انتهى من ذكر أحداث الفتنة عقد فصلا في الرد على من يقول: كيف قتل عثمان (رضي الله عنه) بالمدينة وفيها جماعة من كبار الصحابة وفيه ذكر مضمون كل ما دلت عليه الروايات التاريخية الواردة في هذا الموضوع، ومما ذكره (91):
-1 - إن أحداً من الصحابة لم يكن يظن أن ينتهي الأمر بقتل عثمان، ذلك أن المحاصرين له قد طلبوا منه أحد أمور ثلاثة إما أن يعزل نفسه، أو يُسلم إليهم مروان بن الحكم، أو يقتلوه. فكان الصحابة يرجون أن يُسلم إلى الناس مروان، أو أن يعزل ويستريح. وأما القتل فما كان يظن أحد أنه يقع، ولا أن المحاصرين يجترؤون
نفسه
عليه، حتى وقع ما وقع.
-2 - إن المحاصرين لدار عثمان كانوا قريباً من ألفي مقاتل، ولو أراد الناس صرفهم عن الدار لما أمكنهم ذلك، وربما لم يكن في أهل المدينة هذه العدة من المقاتلة، لأن الناس كانوا في الثغور وفي الأقاليم، وقسم آخر منهم كان قد خرج لأداء الحج، وعندما اقترب مجيء النصرة لعثمان من الآفاق، انتهز هؤلاء الفرصة وصنعوا ما
صنعوا …
3 - إن الصحابة ما نعوا دونه أشد الممانعة حتى عزم عثمان عليهم أن يكفوا أيديهم ويغمدوا أسلحتهم ففعلوا، لكن ومع ذلك فإن كبار الصحابة قد بعثوا أولادهم إلى دار عثمان حتى تقدم الجيوش من الأمصار لنصرته، فما فجئ الناس إلا وقد ظفر أولئك بالدار من خارجها وأحرقوا بابها، وتسوروا على عثمان حتى قتلوه.
وسب من
من
الخلافة.
-4 - إنه لم يصح عن أحد من الصحابة أنه قد رضي بقتل عثمان، بل كلهم كرهه ومقته فعله، ولكن بعضهم كعمار بن ياسر كان يود لو خلع نفسه والآن وبعد كل ما تقدم من أدلة على عدم اشتراك الصحابة في قتل عثمان، وعدم أمرهم به وعدم تقصيرهم في حماية عثمان والدفاع. عنه، هل يبقي للإباضية من دليل على
ما ينسبونه إلى الصحابة؟. إنه لا دليل لهم في الأصل على ما نسبوه إليهم، وما سقناه من روايات تاريخية إنما كان لنثبت لهم كيف أنهم قد وقعوا في أخطاء علمية وتاريخية، لا عن جهل، وإنما عن عمد تعصباً لآرائهم، وتقديساً لأوائلهم الذين يزعمون أنهم كانوا على الحق في كل ما ذهبوا إليه. وإذا كان لهم من حجة فهي حجة عقلية أوهى من بيت العنكبوت، وهي ادعاؤهم أن من ينسب إلى الصحابة الدفاع عن عثمان وعدم الرضا بقتله إنما ينسبهم إلى ذنب عظيم هو عدم النهي عن المنكر، وهم الذين مدحهم الله تعالى بأنهم "خير أمة أخرجت للناس" وذلك على اعتبار أن عثمان قد وقع في المنكرات واستحل الحرمات فاستحق القتل، وتكون الاعانة على قتله من المعروف، وكل من يمنع عنه القتل يكون قد رضي بالمنكر ولم يأمر بالمعروف (92)
49
48