الإباضية مذهب لا دين: دراسة تحليلية نقدية لنشأة الإباضية ولموقفهم من التعصب المذهبي هاني سليمان الطعيمات

الإباضية مذهب لا دين

الجزء ١ · صفحة ٢٨

نعم هذه هي حجتهم، وعجباً مما وقعوا فيه من خلط بين المعروف والمنكر، إن الصحابة (رضوان الله عيهم الذين يدافعون عنهم من وجهة نظرهم لم يقعوا في مثل هذا الخلط فهم (رضوان الله عليهم قد أنكروا على عثمان ماكان منه، وقبلوا منه الرجوع عما فعله بتأويل واعتبروا أن حصاره وقتله أمر منكر، لأنه لم يفعل ما يستحلون به دمه، فنهوا عنه، وراحوا يفعلون المعروف، وهو الدفاع عنه

إذن فالقضية الآن هي هل قتل عثمان كان من قبيل المعروف، فيكون قتله حقاً؟ أم من قبيل المنكر، فيكون قتله ظلماً وعدواناً؟ هذا ما سنبينه من خلال حديثنا التالي عن المنهج الذي سلكه الاباضية في الحكم على عثمان، وذلك بعد أن بينا المنهج الذي سلكوه في الحكم على أحداث الفتنة

لقد أصدر الاباضية حكمهم على سيدنا عثمان بعبارات صريحة لا تحتمل التأويل، بدليل ما استندوا إليه من الآيات القرآنية، فهو عندهم:

- كافر مرتد على عقبه، لحكمه بغير ما أنزل الله

- وإمام ضلالة لمخالفته سنة النبي (صلى الله عليه وسلم والخليفتين من بعده. وخائن في الأمانة التي حملها له المسلمون بمبايعتهم له

- ومسرف مبذر، لأنه جاد بالأموال على اللعين مروان بن الحكم وأبنائه الملاعين. - ومن أهل البغي المستحقين للقتل لعدم حكمه بالعدل.

- وممن يجب التبرء منهم لما أحدثه من أمور مخالفاً فيها سيرة الصاحبين من قبله - وأول من فرق كلمة المسلمين وشتت شملهم. ومن يشك في نسبة حكم من هذه الأحكام التي أطلقوها، فليراجع كتب التراث عندهم، ومن لم يتيسر له ذلك فليراجع ما أثبتناه منها فيما تقدم، وقد نقلناها بالحرف.

عنهم

والسؤال الذي يتبادر إلى ذهن كل من يجهل سيرة سيدنا عثمان هو: ما هي الأمور التي وقع فيها فعلاً حتى يوصف بكل تلك الأوصاف التي لم يوصف بها جبابرة الحكام في

القديم والحديث؟.

وأما من كان على علم بسيرة سيدنا عثمان فهو أيضاً يتساءل. هل ما فعله عثمان عن اجتهاد منه أو تأويل؟ أو ما كان له فيه عذر مقبول؟ أو ما أظهر الندم على فعله؟ يستحق عليه كل تلك الأحكام

ونحن في إثارتنا لمثل هذه التساؤلات لا نقصد اختلاق الأعذار لسيدنا عثمان، ولا تبرير ما فعله أو ما امتنع عن فعله، لأن ما تساءلنا عنه هو فعلاً الذي كان منه (رضي الله عنه)، فأمور فعلها عن اجتهاد، وثانية كان له فيها عذر، وأخرى أظهر الندم على فعلها، لكن تسارع الأحداث هو الذي منعه من تنفيذ ما وعد به من إصلاح، يشهد بذلك الروايات التاريخية الموثوقة والمأثورة عن سيدنا عثمان، وقد جاءت هذه الروايات في تاريخ الطبري، وفي الكامل لابن الأثير، وفي تاريخ الاسلام للذهبي، وفي البداية والنهاية لابن كثير، وإيجازا نكتفي بذكر بعضها، خاصة وأنه يسهل الرجوع إليها لتوفر مصادرها. فقد جاء في تاريخ الطبري وفي تاريخ الإسلام للذهبي أنه عندما قدم إلى المدينة من كان قد خرج من أهل مصر ومن أهل العراق أرسل إليهم عثمان رجلين من بني مخزوم ومن بني زهرة، ليستطلعا له خبرهم قائلاً لهما: انظرا ما يريدون وأعلما علمهم، فلما رأوهما أخبروهما بما يريدون، فقالا لهم: من معكم على هذا من أهل المدينة قالوا: ثلاثة نفر، قالا: فكيف تريدون أن تصنعوا؟ قالوا: نريد أن نذكر له أشياء قد زرعناها في قلوب الناس، ثم نرجع إليهم فنزعم لهم أنا قررناه بها، فلم يخرج منها ولم يتب، ثم نخرج كأنا حجاج حتى نقدم فنحيط به فنخلعه، فإن أبى قتلناه، فرجعا إلى عثمان بالخبر فضحك وقال: اللهم سلّم هؤلاء، فإنك إن لم تُسلّمهم شقوا. فأرسل عثمان إليهم ونادى الصلاة جامعة، فأقبل الصحابة حتى أحاطوا بهم. فصعد المنبر وحمد الله وأثنى عليه، وأخبر الصحابة بخير القوم، فقالوا: اقتلهم، فإن رسول الله قال: من دعا إلى نفسه أو إلى أحد وعلى الناس إمام، فعليه لعنه الله فاقتلوه فقال عثمان: بل نعفو ونقبل ونبصرهم بجهدنا، ولا تحاد أحداً حتى يركب الحد، أو يبدى كفراً. إن هؤلاء ذكروا أموراً قد علموا منها مثل الذي علمتم، إلا أنهم زعموا أنهم يذكرونها ليوجبوها على عند من لا يعلم. وقالوا: أتم الصلاة في السفر، وكانت لا تُتمّ، ألا وإني قدمت بلداً فيه أهلي فأتممت لهذا، أو كذلك؟ قالوا: اللهم نعم.

وقالوا: وحميت حمى، وإني والله ما حميتُ، حُمى قبلي، والله ما حموا شيئاً لأحد ما حموا إلا غلب عليه أهل المدينة، ثم لم يمنعوا من رعيه أحداً، واقتصروا لصدقات المسلمين يحمونها لئلا يكون بين من يليها وبين أحد تنازع، ثم ما منعوا ولا نحوا منها أحداً، إلا من ساق درهماً، ومالي من بعير غير راحلتين، ومالي ثاغية ولا راغية، وإني قد وليت، وإني أكثر العرب بعيراً وشاء، فمالي اليوم شاة ولا بعير غير بعيرين الحجي، أكذلك؟ قالوا: اللهم نعم.