الإباضية مذهب لا دين: دراسة تحليلية نقدية لنشأة الإباضية ولموقفهم من التعصب المذهبي هاني سليمان الطعيمات

الإباضية مذهب لا دين

الجزء ١ · صفحة ٢٩

قال: وقالوا: كان القرآن كتباً، فتركتها إلا واحداً، ألا وإنّ القرآن واحد، جاء من عند واحد، وإنما أنا في ذلك تابع لهؤلاء، أكذلك؟ قالوا: نعم

وقالوا: إني رددت الحكم) هو الحكم بن أبي العاص وقد سيره رسول الله (صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ثم رده، فرسول الله صلى الله عليه وسلم) سيره وهو ردّه، أفكذلك؟ قالوا: نعم. وقالوا: استعملت الأحداث، ولم أستعمل إلا مجتمعاً محتملاً مرضياً، وقد ولّى من قبلي أحدث منهم، وقيل في ذلك؛ لرسول الله (صلى الله عليه وسلم أشد مما قيل لي في استعماله أسامة، أكذلك؟ قالوا: اللهم نعم. وقالوا: إني أعطيت ابن أبي السرح ما أفاء الله عليه، وإنّي إنما نقلته خمس ما أفاء الله عليه من الخمس، فكان مائة ألف، وقد أنفذ مثل ذلك أبو بكر وعمر (رضي الله عنهما)، فزعم الجند أنهم يكرهون ذلك، فرددته عليهم، وليس ذلك لهم، أكذلك؟ قالوا: نعم وقالوا: إني أحب أهل بيتي وأعطيهم، فأما حبي فإنه لم يمل معهم على جور بل أحمل الحقوق عليهم. وأما إعطاؤهم فإني ما أعطيهم من مالي، ولا استحل أموال المسلمين لنفسي ولا لأحد من الناس ولقد كنت أعطي العطية الكبيرة الرغيبة من صلب مالي أزمان رسول الله (صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، وأنا يومئذ شحيح حريص، أفحين أتيت على أسنان أهل بيتي، وفنى عمري، وودعت الذي لي في أهلي، قال الملحدون ما قالوا! وإني والله ما حملت على مصر من الأمصار فضلا فيجوز ذلك لمن قاله، ولقد رددته عليهم، وما قدم علي إلا الأخماس، ولا يحل لي منها شيء، فولي المسلمون وضعها في أهلها دوني. وقالوا: أعطيت الأرض رجالاً، وإن هذه الأرضين شاركهم فيها المهاجرون والأنصار أيام افتتحت، فمن أقام بمكان من هذه الفتوح فهو أسوة أهله، ومن رجع إلى أهله لم يُذهب ذلك مما أفاء الله عليهم فبعته لهم بأمرهم من رجال ما حوى الله له، فنظرت في الذي يصيبهم. أهل عقار ببلاد العرب فنقلت إليهم نصيبهم، فهو في أيديهم دوني. وكان عثمان قد قسم ماله وأرضه في بني أمية، وجعل ولده كبعض من يعطي، فبدأ ببني أبي العاص، فأعطى آل الحكم رجالهم عشرة آلاف، فأخذوا مئة ألف، وأعطى عثمان مثل ذلك، وقسم في بني العاص وفي بني العيص وفي بني حرب، ولانت حاشية عثمان لأولئك الطوائف، وأبى المسلمون إلا قتلهم، وأبى إلا تركهم، فذهبوا ورجعوا إلى بلادهم على أن يغزوه مع الحجاج، فتكاتبوا وقالوا: موعدكم ضواحي المدينة في شوّال حتى إذا دخل شوّال ضربوا كالحجاج فنزلوا قرب المدينة (93).

بني

وجاء في البداية والنهاية أن علي بن أبي طالب قد ناظر في عثمان من قدم إلى المدينة من أهل مصر، وسألهم ماذا ينقمون عليه، فذكروا أشياء فأجابهم عنها، وكان مما قال لهم: (أما الحمى فإنما حماه لإبل الصدقة لتسمن، ولم يحمه لإبله ولا لغنمه، وقد حماه عمر من قبله، وأما المصاحف فإنما حرق ما وقع فيه اختلاف، وأبقى لهم المتفق عليه، كما ثبت في العرضة الأخيرة، وأما إتمامه الصلاة بمكة فإنه كان قد تأهل بها ونوى الإقامة فأتمها. وأما توليته الأحداث فلم يول إلا رجلاً سوياً عدلاً، وقد ولى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عتاب بن أسيد على مكة وهو ابن عشرين سنة، وولى أسامة بن زيد بن حارثة، وطعن الناس في إمارته، فقال: إنه لخليق بالإمارة. وأما إيثاره قومة بني أمية، فقد كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يؤثر قريشاً على الناس) (94). إذن ومن خلال النصين السابقين يظهر لنا كيف أن عثمان (رضي الله عنه) قد دافع عن نفسه، حيث أجاب عن الأمور التي نقموها عليه، وكشف لهم هو وعلي بن أبي طالب عن وجه الحقيقة، وكان ذلك بحضور وعلم من أهل المدينة من المهاجرين والأنصار، فوافقوه على ما قال، ويستبعد لعد التهم وقربهم من عهد النبوة أن تكون موافقتهم له عن نفاق منهم، كما ويظهر لنا من خلال النص الذي نقلناه من تاريخ الطبري أن الذين أرادوا إيقاع الفتنة بين المسلمين وتفريق شملهم قد رسموا خطتهم في ذلك وهي كما يلي: أولاً: تأليب الناس على عثمان وإثارتهم ضده، وجعلهم ينقمون عليه بأمور زرعوها في

قلوبهم.

ثانياً: القدوم إلى المدينة ومواجهة عثمان بالأشياء التي زرعوها في قلوب الناس. ثالثاً: الرجوع إلى أمصارهم، وإخبار الناس أنهم قد أقاموا الحجة على عثمان بمواجهته بتلك الأشياء لكنه لم يتب ولم يرجع عنها.

رابعاً: الاتفاق على العودة مرة ثانية لتنفيذ ما عزموا عليه من عزل أو قتل لعثمان خامساً: ا: التظاهر بالخروج أمام العامة أنهم يريدون أداء فريضة الحج، والقدوم ثانية إلى

المدينة في شهر شوال

هذا وإن المتتبع لسير الأحداث يجد أنهم قد ساروا في تنفيذ خطتهم على النحو الذي رسموه لها، فقد قدموا إلى المدينة أولاً واجتمعوا بعثمان، وطبيعي أن لا يرجع عن أمور يرى أنه علي حق فيها لأنه فعلها باجتهاد أو تأويل. فيظهر أمام الناس في الأمصار أنه أقر واعترف بما قيل عنه، لكنه لم يرجع ولم يتب، بل ويرفض أن يعتزل ليتولى الخلافة من هو أولى منه

53

52