الإباضية مذهب لا دين: دراسة تحليلية نقدية لنشأة الإباضية ولموقفهم من التعصب المذهبي هاني سليمان الطعيمات

الإباضية مذهب لا دين

الجزء ١ · صفحة ٣٠

ثم قدموا إلى المدينة ثانياً وبأعداد أكبر تمكنهم من تنفيذ ما عزموا عليه، وكان لهم ما أرادوا، وصنعوا ما صنعوا، وفتح باب الفتنة، وافترقت الأمة أحزاباً وشيعاً.

الخلاف

ولو أن سيدنا عثمان كان حازماً مع الذين ثاروا عليه أولاً فأخذهم بالشدة حتى يعلموا أن الفتنة ليست وسيلة للاصلاح، لأدى ذلك إلى استتاب أمن المسلمين وحسم بينهم، ولكن قدر الله وما شاء فعل.

من

يقول الدكتور عوض خليفات تعقيباً على حادثة مقتل سيدنا عثمان: (لقد كان مقتل الخليفة عثمان سابقة خطيرة في تاريخ الاسلام، إذ أن فريقاً الأمة اعترض على سياسة الخليفة، مستنداً إلى الفكرة الأسلامية التي توجب مراقبة الأمة على منهج الحاكم ومفسراً تلك الفكرة، وذلك المبدأ بما يخدم أغراضه وأهدافه، وتطرف الثوار في أسلوب معارضتهم حتى أنهم اغتالوا الخليفة الذي توفي الرسول (صلى الله عليه وسلم) وهو راض عنه، ونتج عن هذا الحادث الأليم المفجع حرب أهلية ذهب ضحيتها آلاف المسلمين. وكانت هذه الحادثة البذرة الأولى التي تفتقت منها الأحزاب والفرق الاسلامية التي نشأت في بادئ الأمر، واختلفت حول منصب الخلافة، ومنذ ذلك الحين أصبح للسيف وزن في تقرير أمر الخلافة وقيادة الأمة الاسلامية) (95).

وأما ما انتقده الاباضية على عثمان من توليته على المسلمين الظلمة والفجرة والأمراء الخونة، كالوليد بن عقبة، وعبد الله بن أبي السرح، فإننا إظهاراً للحقيقة ودفاعا عن عثمان ومن استعملهم سنسوق الروايات التاريخية مع طولها التي تناولت الموضوع، والتي ستكشف لنا أن الذين استعملهم عثمان لم يكونوا على الصفة التي وصفهم بها الإباضية. وأن عزله للصحابة الذين استعملهم عمر بن الخطاب، إنما كان لسبب، فهو لم يعزل أحداً إلا عن شكاة أو استعفاء من غير شكاة

ونبدأ أولاً بتولية عثمان، عبد الله بن سعد بن أبي السرح على مصر، فقد جاء في تاريخ الطبري أن عثمان بن عفان عندما تولى الخلافة أمر عمرو بن العاص على مصر، وكان ابن أبي السرح من جند مصر، فوجهه عثمان على رأس جيش الفتح شمال إفريقية قائلاً له: " إن فتح الله عز وجل عليك غداً إفريقية، فلك مما أفاء الله على المسلمين خمس الخمس من الغنيمة نفلاً" وخرج ابن أبي السرح بالجيش حتى قطع مصر، فلما وغل في أرض إفريقية اقتتل مع أهلها، وتمكن من فتحها، وبعدها دخل أهلها في الإسلام. وأقام ابن أبي السرح في القيروان، وقسم ما أفاء الله على الجند، وأخذ خمس الخمس، وبعث بأربعة أخماسه إلى عثمان، فشكى الجند قائدهم فيما أخذ، ووفدوا وفداً إلى عثمان في ذلك، فقال لهم: (أنا) نفلته، وقد أمرت له بذلك، وذاك إليكم الآن فإن رضيتم فقد جاز، وإن

،

سخطتم فهو ردّ. قالو: فإنا نسخطه، قال: فهو ردّ وكتب إلى عبد الله بردّ ذلك واستصلاحهم. قالوا: فاعزله عنا، فأنا لا نريد أن يتأمر علينا، وقد وقع ما وقع، فكتب إليه أن استخلف على إفريقية رجلاً ممن ترضى ويرضون، وأقسم الخمس الذي كنت تفلتك في سبيل الله، فإنهم قد سخطوا النفل، ففعل، ورجع عبد الله بن سعد إلى مصر (96). وفي مصر وبعد أن وصلها عبد الله بن سبأ اليهودي بدأ الناس بالشكوى من أميرهم عمرو بن العاص، وفي ذلك يقول الحافظ الذهبي: وقال سيف بن عمر عن عطية عن يزيد الفَقْعَسي، قال: لما خرج ابن السوداء إلى مصر نزل على كنانة بن بشر مرّة، وعلى سودان بن حمران مرة، وانقطع إلى الغافقي فشجّه الغافقي فكلمه، وأطاف به خالد بن ملجم وعبد الله بن رزين، وأشباه لهم، فصرف إليهم القوم، فلم يجدهم يجيبون إلى الوصية، فقال: عليكم بناب العرب وحجرهم. ولسنا من رجاله، فأروه أنكم تزرعون، ولا تزرعوا العام شيئاً حتى تنكسر مصر، فتشكوه إلى عثمان فيعزله عنكم، ونسأل من هو أضعف منه ونخلو بما نريد، ونظهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان أسرعهم إلى ذلك محمد بن أبي - حذيفة، وهو ابن خال معاوية وكان يتيماً في حجر عثمان، فكبر وسأل عثمان الهجرة إلى بعض الأمصار، فخرج إلى مصر، وكان الذي دعاه إلى ذلك أنه سأل عثمان العمل، فقال:

لست هناك.

قال: ففعلوا ما أمرهم به ابن السوداء، ثم إنهم خرجوا ومن شاء الله منهم، وشكو عَمْراً واستعفوا منه، وكلما نهنه = أي كف عثمان عن عمرو قوماً وسكتهم انبعث آخرون بشيء آخر، وكلهم يطلب عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فقال لهم عثمان: أما عمرو فسننزعه عنكم ونقره على الحرب، ثم ولى ابن أبي السرح خراجهم وترك عمراً على الصلاة، فمشى في ذلك سودان وكنانة بن بشر، وخارجة، فيما بين عبد الله بن سعد، وعمرو بن العاص، وأغروا بينهما حتى تكاتباً على قدر ما أبلغوا كل واحد. وكتبا إلى عثمان، فكتب ابن أبي سرح: إن خراجي لا يستقيم ما دام عمرو على الصلاة، وخرجوا فصدقوه واستعفوا من عمرو، وسألوا ابن أبي سرح، فكتب عثمان إلى عمرو: إنه لا خير لك في صحبة من يكرهك فأقبل، ثم جمع مصر لا بن أبي سرح) (97). إذن ومن خلال ما تقدم نصل إلى نتيجة وهي:

1 - إن عثمان بن عفان (رضي الله عنه) وقد وعد بن أبي السرح بخمس الخمس إن فتح الله على يديه إفريقية لم يكن مبتدعاً، فمن قبله وعد الرسول (صلى الله عليه وسلم سراقة بن مالك في رحلة الهجرة من مكة إلى المدينة بسواري

54