الإباضية مذهب لا دين: دراسة تحليلية نقدية لنشأة الإباضية ولموقفهم من التعصب المذهبي هاني سليمان الطعيمات

الإباضية مذهب لا دين

الجزء ١ · صفحة ٣٢

الجزيرة، إذن فعثمان لم يكن مبتدعاً في استعمال الوليد، وإذا اتهم في ذلك فينبغي أن يوجه الاتهام من قبله إلى عمر بن الخطاب.

الأمر الثاني: أن الوليد مع أنه كان محبوباً بين الناس، إلا أن جماعة من أهل الكوفة كانت تكيد له ومنهم: أبو مروّع، وجندب الأزدي الذي نفاه عثمان، وأبو زينب، وسبب نقمتهم عليه كما جاء في تاريخ الطبري (102) وفي الكامل لابن الأثير (103) أن شباباً من أهل الكوفة قد تسوّروا دار ابن الحيسمان الخزاعي، فخرج عليهم بالسيف، فلما رأى كثرتهم استصرخ، فقالوا له: اسكت فإنما هي ضربة حتى نريحك. وكان جاره أبو شريح الخزاعي على سطح داره، فسمع صراخه، وأشرف على اللصوص فصاح بهم لكنهم لم يلتفتوا إليه وقتلوا ابن الحيسمان، فأحاط الناس بهم وأخذوهم ومنهم زهير بن جندب الأزدي ومروع بن أبي المروع الأسدي، وسبيل بن أبي الأزدي، فشهد عليهم أبو شريح وابنه أنهم قتلوا ابن الحيسمان، فكتب فيهم الوليد بن عقبة إلى عثمان فأمره بقتلهم، فقتلهم على باب القصر، وفي ذلك قال عمروا بن عاصم التميمي:

لا تأكلوا أبداً جيرانكم سَرَفاً أهل الزعارة في مُلكِ ابن عَفَّانِ إن ابن عفان الذي جَرَّبْتُمْ فطم اللصوص. بمحكم الفرقان ما زال تعمل بالكتاب مُميمناً في كل عُنق منهم وبنان ومنذ تلك الحادثة أخذ أبو مروع وجندب الأزدي، ومن معهما ممن قتل أبناؤهم يحقدون على الوليد ويضعون عليه العيون.

وأما ما نسب إلى الوليد من شرب الخمر ولعب بالسحرة، فإنه وكما دلت على ذلك الروايات التي ساقها ابن جرير الطبري وابن الأثير كان من كيد أبي مروع وجندب ومن كان معهما، ومما ذكرته تلك الروايات أن أبا زبيد الشاعر كان نصرانيا في بني تغلب، وكانوا أخواله، فظلموه ديناً له، فأخذ له الوليد بحقه، إذ كان عاملاً عليهم من قبل عمر بن الخطاب، فشكرها له أبو زبيد، وانقطع إليه، وغشيه بالمدينة فلما ولي الوليد الكوفة أتاه على مثل ما كان يأتيه بالجزيرة والمدينة، ولم يزل الوليد به حتى أسلم وحسن إسلامة، وفي أخر قدمة قدمها على الوليد أنزله دار الضيفان، وبينما هو عند الوليد أتى أت أبا زينب وأبا مروع وجندباً، فقال لهم: هل لكم في الوليد يشارب أبا زُبيد؟ فثاروا في ذلك فقال أبو زينب وأبو مروع وجندب لأناس من وجوه أهل الكوفة: هذا أميركم وأبو زبيد خيرته، وهما عاكفان على الخمر، فقاموا معهم، ومنزل الوليد في الرّحبة مع عمارة بن عقبة، وليس عليه باب فاقتحموا عليه من المسجد وبابه إلى المسجد، فلم يفجأ الوليد إلا، فنحى شيئاً، فأدخله

بهم

تحت السرير، فأدخل بعضهم يده فأخرجه، فإذا طبق عليه تفاريق عنب وإنما نحاء استحياء أن يروا طبقه ليس عليه إلا تفاريق عنب = فقاموا فخرجوا على الناس فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون، وسمع الناس بذلك، فأقبل الناس عليهم يسبونهم ويلعنونهم، فستر الوليد عليهم ذلك وكتم الأمر عن عثمان. وبعد ذلك جاء جندب ورهط معه إلى عبد الله بن مسعود، فقالوا: الوليد يعتكف على الخمر وأذاعوا ذلك حتى طُرح على ألسنة الناس، فقال ابن مسعود: من استتر عنا بشيء لم نتتبع عورته ولم نهتك ستره، فأرسل الوليد إلى ابن مسعود فأتاه، فعاتبه في ذلك وقال: أيرضى من مثلك بأن يجيب قوماً موتورين بما أجبت علي! أي شيء أستتر به؟ إنما يقال هذا للمريب. فتلاحيا وافترقا على تغاضب.

ثم أتى الوليد بن عقبة بساحر فأرسل إلى عبد الله بن مسعود يسأله عن حده، فقال: وما يدريك أنه ساحراً، قال: زعم هؤلاء النفر لنفر جاءوا به أنه ساحر، قال ما يُدريكم أنه ساحر! قالوا: يزعم ذلك، قال: أساحر أنت؟ قال:: نعم، قال: وتدري ما السحر؟ قال: نعم وثار إلى حمار فجعل يركبه من قبل ذنبه، ويريهم أنه يخرج من فمه واستيه فقال ابن مسعود: فاقتله فانطلق الوليد، فنادوا في المسجد أن رجلاً يلعب بالسحر عند الوليد فأقبلوا، وأقبل جندب واغتنمها يقول: أين هو؟ حتى أريه فضربه، فاجتمع رأي عبد الله - بن مسعود والوليد على حبسه لتعديه على حق ولي الأمر في إقامة الحد. وكتب الوليد في ذلك إلى عثمان، فأجابه عثمان: أن استحلفوه بالله ما علم برأيكم فيه، وإنه لصادق بقوله فيما ظن من تعطيل حده. وعزروه، وخلوا سبيله. وتقدم إلى الناس في ألا يعملوا بالظنون، وألا يقيموا الحدود دون السلطان، فإنا نقيد المخطئ ونؤدب المصيب، ففعل ذلك به، وترك لأنه أصاب حداً. وغضب لجندب أصحابه فخرجوا إلى المدينة، وقدموا إلى عثمان واستعفوه من الوليد، فقال لهم عثمان: تعملون بالظنون وتخطئون في الإسلام، وتخرجون بغير إذن، ارجعوا، فردهم، فلما رجعوا إلى الكوفة أتاهم كل من كان في نفسه شيء على الوليد، وأجمعوا أمرهم على التخطيط لعزل الوليد عن الكوفة، وانتدبوا لذلك أبا زينب بن عوف وأبا مروع الأزدي فأخذا. يرتادا مجلس الوليد، وبينما هم معه يوماً في بيته مع القوم، وله امرأتان في المخدع، وبينهما وبين القوم ستر، نام الوليد، فتفرق القوم عنه وتأخر عنهما أبو زينب وأبو مروع، فتناول أحدهما خاتم الوليد ثم خرجا، فاستيقظ الوليد وامرأتاه عند رأسه، ولم ير خاتمه، فسألهما عنه، فلم يجد عندهما منه علماً، قال: فمن بقي آخر القوم؟ قالتا: رجلان لا نعرفهما، ما غشياك إلا منذ قريب، قال: صفاهما، فوصفتاهما، وقالنا عن أحدهما وقد وصفتاه رأينا يده على يدك. فقال: ذاك أبو زينب، والآخر أبو مروّع، وقد أرادا داهية

،

1

59

58