الإباضية مذهب لا دين: دراسة تحليلية نقدية لنشأة الإباضية ولموقفهم من التعصب المذهبي هاني سليمان الطعيمات

الإباضية مذهب لا دين

الجزء ١ · صفحة ٣٣

فليت شعري ماذا يريدان؟ فطلبهما، فلم يقدر عليهما، وكان قد توجها مع نفر من أهل الكوفة إلى المدينة، وشهدا عند عثمان أن الوليد قد شرب الخمر، فقال لهما عثمان أتشهدان أنكما رأيتماه يشرب الخمر؟ فقالا: لا، قال: فكيف؟ قالا: اعتصرناها من لحيته، وهو يقيء الخمر فقال عثمان ما يقيء الخمر إلا شاربها، وبعث إلى الوليد، فلما قدم إليه، رأهما عنده، وعلم بما شهدا به. فحلف الوليد، وأخبر عثمان بخبرهما، فقال له:: نقيم شاهد الزور بالنار، فاصبر يا أخي، فأمر به فجلد الحد، ثم عزله عن الكوفة وأمر عليها سعيد بن العاص، وافترق أهل الكوفة في الوليد على فرقتين: العامة معه،

ويبوء

والخاصة عليه. (104)

الحدود

وعلى تقدير عدم صحة هذه الروايات، وأن ما نسب إلى الوليد كان صحيحاً، فما ذنب عثمان في كل ذلك؟ فهو قد استعمل رجلاً استعمله عمر بن الخطاب، وكان مرضياً عند عامة أهل ولايته، وعندما قيل عنه ما قيل أقام عليه الحد، وعزله عن الولاية.

وبعد هذا أفلا يقنع الاباضية بما قاله علي بن أبي طالب لأسلافهم من أهل الكوفة، وقد وجد بعضهم يعيبون على عثمان توليته الوليد: إنكم وما تعيرون به عثمان کالطاعن نفسه ليقتل ردفة، ما ذنب عثمان في رجل قد ضربه بفعله، وعزله عن عمله! وما ذنب عثمان فيما صنع عن أمرنا (105)

هذا ويبدو = والله أعلم أن ما كان من بعض أهل الكوفة ليس سببه فسق هذا الوالي أو ذاك، إنما سببه أنهم كرهوا أن يتأمر عليهم أحد من قريش، ذلك أن أهل الكوفة من القبائل الربعية، وقريش من القبائل المضريّة والنزاع بين الربعيين والمصريين معروف في العصر الجاهلي (106) ولهذا كان من أصول الدعوة الاباضية وقد نبتت جذورها في الكوفة أن الأئمة لا يكونون من قريش. ولا أدل على هذا الذي نقول من أن بعض شعراء الكوفة قد قال بعد أن تولى عليهم

سعيد بن العاص: فررت من الوليد إلى سعيد كأهل الحجر إذ جزعوا فباروا

يلينا من قريش كل عام لنا نار نخوفها فنخشي

أمير محدث أو مستشار وليس لهم فلا يخشون نار (107)

ثم إن سعيد بن العاص عندما قدم والياً على الكوفة نزل وسأل عن أهلها، فعرف حالهم وكتب في ذلك إلى عثمان بن عفان بالذي انتهى إليه قائلاً: إن أهل الكوفة قد اضطرب

أمرهم وغلب أهل الشرف منهم والبيوتات والسابقة والقدمة، والغالب على تلك؛ البلاد روادف ردفت وأعرب لحقت، حتى ما ينظر إلى ذي شرف ولا بلاء من نازلتها ولا نابتها. فكتب إليه عثمان أما بعد: ففضل أهل السابقة والقُدمة ممن فتح الله عليه تلك البلاد، وليكن من نزلها بسببهم تبعاً لهم، إلا أن يكونوا تثاقلوا عن الحق، وتركوا القيام به، وقام به هؤلاء، واحفظ لكل منزلته، وأعطهم جميعاً بقسطهم من الحق، فإن المعرفة بالناس بها

يصاب العدل. فأرسل سعيد إلى وجوه الناس من أهل الأيام والقادسية فقال: أنتم وجوه من وراءكم، والوجه ينبئ عن الجسد، فأبلغونا حاجة ذي الحاجة، وخلة ذي الخلة، وخلص بالقراء والمتسمتين في سُمَره، فكأنما كانت الكوفة يبسا شملته نار، وفشت القالة والإذاعة. فكتب سعيد إلى عثمان بذلك، فنادى منادى عثمان: الصلاة جامعة، فاجتمعوا، فأخبرهم بالذي كتب به إلى سعيد، وبالذي كتب به إليه فيهم، وبالذي جاءه من القالة والاذاعة فقالوا: أصبت فلا تسعفهم في ذلك، ولا تطمعهم فيما ليسوا له بأهل، فإنه إذا نهض في الأمور من ليس لها بأهل لم يحتملها وأفسدها. فقال عثمان: يا أهل المدينة استعدوا واستمسكوا، فقد دبت إليكم الفتن ونزل (108).

من

ومما نقمة الاباضية على سيدنا عثمان رضي الله عنه أنه نفى جماعة المسلمين من أمصارهم. فقد نفى أناساً من الكوفة منهم: كعب بن أبي الحنكة، وجندب بن زهير، وزيد بن صوحان ونفى من أهل البصرة عامر بن عبد الله القسري، ومذعور العنبري وقيل بأنه نفى من المدينة الصحابي الجليل أبا ذر الغفاري، نفاه من المدينة الربذة وهي

المدينة.

سير

مكان قرب

والا باضية في هذه القضية غفلو عن أمر، وأغفلوا آخر، أما الذي غفلوا عنه فهو أن النفي من العقوبات التي يجوز شرعاً لولي الأمر أن يوقعها تحقيقاً لمصلحة أو دفعاً لمفسدة (109) وأما الأمر الذي أغفله الاباضية فهو السبب الذي من أجله نفى عثمان (رضي الله عنه) بعض الناس من الكوفة ومن البصرة، يقول ابن كثير في أحداث سنه ثلاث وثلاثين: (وفي هذه عثمان بعض أهل البصرة منها إلى الشام، وإلى مصر بأسباب مسوغة لما فعله (رضي الله عنه)، فكان هؤلاء ممن يؤلب عليه، ويمالئ الأعداء في الحط والكلام فيه، وهم الظالمون في ذلك، وهو البار الراشد (رضي الله عنه) ((110). وقد جاء في بعض الروايات التاريخية تفصيل السبب الذي لأجله نفى عثمان بعض أهل الكوفة ففي تاريخ الطبري، وفي الكامل لابن الأثير أن سعيد بن العاص بعد أن قدم

61